كشك بـ 60 ألف جنيه.. هل يتحول “التطوير الحضاري” في القاهرة إلى عبء على أصحاب مصدر الرزق البسيط؟؟

- ‎فيتقارير

منذ انقلاب الثالث من يوليو 2013 عندما تسمع كلمة تطوير أو تحديث يجب ان تتحسس جيبك وذلك لأن النظام يبحث فقط عن الجباية وتعظيم الحصيلة النقدية التي يجب ان تصب في مصلحته فقط، والامثلة علي ذلك كثيرة من تراخيص السيارات الي اصدار رخصة القيادة وما تبعها من رسوم باهظة بدون تقديم أي ميزة او خدمة ضرورية واضحة.

وربما تطوير الاكشاك يلقي نفس المصير تطوير من أجل تحصيل المزيد من الأموال من فئة هي في الواقع أولي بالرعاية. وبعد التطوير المزعوم لهذه الاكشاك الصغيرة  سوف تجد نفسها قد تم ربطها بمنظومة الضرائب والتأمينات الاجتماعية مما يُراكم علي هذه الأنشطة البسيطة التزامات ضخمة ربما تتعدى مكاسبها .

بعد سنوات ظل خلالها "الكشك" بابًا صغيرًا للرزق ومصدر دخل تعتمد عليه أسر مصرية، تدخل محافظة القاهرة منظومة جديدة لتنظيم الأكشاك المرخصة، تقوم على توحيد الشكل والتصميم والمساحات والمواصفات، وربط كل كشك بنظام إلكتروني للتعريف ببياناته.

وبينما تقول المحافظة إن الهدف هو تحسين المظهر الحضاري للعاصمة وضبط الإشغالات والتجاوزات، يواجه أصحاب الأكشاك تكلفة قد تصل إلى نحو 60 ألف جنيه لتوفيق أوضاعهم، في وقت يمثل فيه الكشك بالنسبة لبعضهم مصدر الدخل الأساسي للأسرة.

وتزداد حساسية المنظومة الجديدة مع تأكيد المحافظة أن تجديد الترخيص لن يتم إلا بعد تنفيذ النموذج الموحد، بما يجعل تكلفة التطوير شرطًا لاستمرار النشاط بالنسبة لأصحاب الأكشاك القائمة.

 

2739 كشكًا و1790 فاترينة

أعلن إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، بدء تطبيق منظومة الأكشاك الموحدة على مستوى أحياء العاصمة، في إطار خطة تستهدف الارتقاء بالمظهر العام للشوارع والميادين وتنظيم أوضاع الأكشاك المرخصة والحد من المخالفات.

وقال صابر، خلال اجتماع المجلس التنفيذي للمحافظة في 17 سبتمبر، إن القاهرة تضم 2739 كشكًا و1790 فاترينة، مشيرًا إلى منح أصحاب الأكشاك المرخصة مهلة ثلاثة أشهر لتوفيق أوضاعهم وتنفيذ النموذج الموحد.

وبحسب المحافظة، يستهدف النظام الجديد توحيد الشكل الخارجي للأكشاك بما يتناسب مع طبيعة شوارع القاهرة، مع وضع ضوابط للمساحات والإشغالات وطريقة عرض المنتجات.

 

"QR Code" لكل كشك

ولا يقتصر التطوير على الشكل الخارجي، إذ تتجه المحافظة إلى إدارة المنظومة إلكترونيًا من خلال وضع رمز «QR Code» على واجهة كل كشك.

ويسمح الرمز، بحسب التصور المعلن، بالوصول إلى بيانات صاحب الترخيص، وموقع الكشك والحي الموجود فيه، وتاريخ بداية الترخيص وموعد انتهائه، إلى جانب بيانات المتأخرات وغيرها من المعلومات المتعلقة بالترخيص.

كما ستتضمن واجهة الكشك شعار محافظة القاهرة ورقم الترخيص، مع تخصيص مساحة محددة للإعلانات. وتقول المحافظة إن هذا النظام يهدف إلى إحكام الرقابة على الأكشاك وربطها ببيانات واضحة يمكن الرجوع إليها إلكترونيًا.

 

تصميم ومساحة محددان

ووفقًا للمواصفات المعلنة، سيكون الكشك الموحد بمساحة 2×3 أمتار أو 3×3 أمتار، على أن يتضمن طفاية حريق وعدادًا للكهرباء، مع تصميم يختلف وفق طبيعة النشاط، مع الالتزام بعدم التعدي على المساحات المحيطة.

ويتضمن التصميم أماكن مخصصة لثلاجات المشروبات والحلوى، وأرففًا لعرض الأغذية والمنتجات، فيما تدرس المحافظة إمكانية اعتماد زي موحد للعاملين داخل الأكشاك. وتشدد المنظومة على عدم تجاوز المساحة المرخصة أو إشغال الأرصفة والمناطق المحيطة بالكشك.

 

فاتورة تصل إلى 60 ألف جنيه

لكن الجانب الأكثر حساسية بالنسبة لأصحاب الأكشاك يتعلق بتكلفة تنفيذ النموذج الجديد. وبحسب ما نقله الصحفي المتخصص في متابعة أخبار محافظة القاهرة وائل فايز، فإن تكلفة تنفيذ النموذج من خلال المحافظة تتراوح بين 50 و60 ألف جنيه، مع سداد 25% مقدمًا وتقسيط باقي المبلغ على عامين دون فوائد.

وأعلن المحافظ أن صاحب الترخيص يمكنه تنفيذ النموذج بنفسه أو الاستعانة بالورش الإنتاجية التابعة للهيئة العامة لنظافة وتجميل وإنارة القاهرة.

وفي حالة التنفيذ من خلال ورش الهيئة، يسدد صاحب الكشك ربع التكلفة مقدمًا، ثم يسدد باقي المبلغ على أقساط شهرية لمدة عامين.

أما إذا اختار صاحب الترخيص تنفيذ الكشك بمعرفته خارج الورش التابعة للمحافظة، فعليه الالتزام بالنموذج والتصميم والمساحة المعتمدة، مع مراجعة التنفيذ والتصميم من جانب الجهات المختصة.

وهكذا، يجد أصحاب الأكشاك أنفسهم أمام تكلفة قد تصل إلى عشرات الآلاف من الجنيهات مقابل استمرار النشاط وفق النموذج الجديد.

 

لا تجديد دون التطوير

وتكتسب التكلفة أهمية أكبر مع إعلان محافظة القاهرة أن تنفيذ النموذج الموحد سيصبح شرطًا لتجديد الترخيص. وأكد المحافظ أنه لن يتم تجديد ترخيص أي كشك لا يلتزم بالشكل الجديد، كما لن يتم قبول طلبات التجديد إلا بعد تنفيذ النموذج المعتمد.

كما شدد على منع إقامة أي أكشاك جديدة في القاهرة، موضحًا أن المنظومة تستهدف تنظيم أوضاع الأكشاك المرخصة القائمة بالفعل، وليس فتح الباب أمام تراخيص جديدة.

ويحدد الحي موقع الكشك وفق القواعد المنظمة وبما لا يعيق حركة المرور أو ينتقص من عرض الرصيف، فيما يمكن أن تؤدي مخالفة الضوابط إلى إلغاء الترخيص وفقًا للقواعد المنظمة.

 

عندما يصبح تحسين المظهر عبئًا على صاحب الكشك

بالنسبة للمحافظة، تمثل المنظومة محاولة لتنظيم نشاط قائم منذ سنوات والقضاء على المظاهر غير المنظمة والتعديات والإشغالات.

لكن بالنسبة لبعض أصحاب الأكشاك، تبدو الصورة مختلفة؛ إذ إن تكلفة التطوير قد تُمثل عبئًا كبيرًا، خصوصًا على أصحاب الأكشاك في المناطق الأقل دخلًا.

ويقول مؤمن حسن، صاحب كشك في حي مصر الجديدة، إن تحسين مظهر المدينة أمر مطلوب، لكنه يخشى ألا يتمكن عدد من أصحاب الأكشاك من تحمل التكلفة، مضيفا "نريد بالتأكيد أن تبدو المدينة أفضل.. لكن كثيرين من أصحاب الأكشاك في المناطق الأفقر لن يتمكنوا من تحمل التكلفة. بعضهم لن يجد خيارًا سوى الإغلاق"

وتكشف هذه المخاوف عن مفارقة أساسية في المنظومة الجديدة: فبينما تسعى المحافظة إلى تحسين الشكل الحضاري للشوارع، قد يجد بعض أصحاب الأكشاك أنفسهم أمام كلفة إضافية للحفاظ على مصدر رزقهم.

 

الكشك.. مصدر دخل للفئات الأولى بالرعاية

وتزداد أهمية هذا الجانب بالنظر إلى أن الأكشاك لم تستخدم دائمًا باعتبارها مجرد منشآت تجارية، وإنما ظهرت في مبادرات رسمية وأهلية باعتبارها وسيلة للتمكين الاقتصادي.

ففي يونيو 2022، شهدت إحدى مبادرات التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي، بالتعاون مع وزارة التضامن الاجتماعي، توزيع 150 كشكًا مجهزًا بالكامل على 150 مواطنًا من ذوي الهمم، ضمن محور التمكين الاقتصادي لمبادرة "وصل الخير 2".

وكان الهدف المعلن آنذاك توفير فرص عمل ومصادر دخل مناسبة للمستفيدين. ومن هنا، فإن أي منظومة جديدة للأكشاك لا تتعلق بالمظهر الحضاري فقط، وإنما تمس أيضًا نشاطًا يعتمد عليه أصحاب محدودو الدخل وفئات من الأولى بالرعاية في توفير احتياجات أسرهم.

 

مساحة إعلانية.. ولكن لمن تذهب العوائد؟

وتتضمن التصميمات الجديدة مساحة مخصصة للإعلانات على واجهة الكشك، إلا أن تفاصيل الاستفادة الاقتصادية من هذه المساحة لم تُعلن بصورة واضحة حتى الآن.

ولا تزال الأسئلة قائمة بشأن الجهة التي ستدير هذه المساحات، وما إذا كانت عوائد الإعلانات ستعود إلى صاحب الكشك للمساعدة في تغطية تكاليف التطوير، أم ستذهب إلى المحافظة أو جهة أخرى.

ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في ظل تكلفة التطوير التي قد تصل إلى 60 ألف جنيه؛ إذ يمكن أن تمثل المساحة الإعلانية، إذا أُديرت بصورة تسمح لصاحب الكشك بالاستفادة منها، مصدرًا لتعويض جزء من هذه التكلفة.

 

تجربة 2020.. محاولة توقفت عند 4 أكشاك

وليست هذه المرة الأولى التي تحاول فيها محافظة القاهرة إعادة تنظيم شكل الأكشاك. ففي عام 2020، كانت المحافظة تضم نحو 2753 كشكًا مرخصًا، بينما قدرت مصادر آنذاك العدد الإجمالي للأكشاك، بما فيها المخالفة، بنحو 5 آلاف كشك، من بينها نحو 1250 كشكًا غير مرخص.

وبدأت المحافظة حينها حصر الأكشاك المرخصة والمخالفة تمهيدًا لتطبيق منظومة جديدة لتوحيد الشكل وتقليص الإشغالات وتنظيم المساحات.

لكن التجربة واجهت اعتراضات مرتبطة بتكلفة استبدال الأكشاك القديمة، بعدما وصل سعر الكشك الجديد آنذاك إلى نحو 75 ألف جنيه.

وانتهت التجربة عمليًا إلى استبدال أربعة أكشاك فقط في حي باب الشعرية قبل توقف المشروع، وفق ما ورد عن التجربة السابقة.

وتعيد المنظومة الحالية إلى الواجهة السؤال نفسه: هل تستطيع المحافظة تحقيق هدف التطوير الحضاري دون أن تتحول تكلفة توفيق الأوضاع إلى عائق أمام استمرار أصحاب الأكشاك في العمل؟

 

بين «حضارة الشارع» ولقمة العيش

لا تبدو القضية في النهاية مجرد خلاف حول شكل كشك أو لون واجهته، وإنما تتعلق بالتوازن بين حق المدينة في التنظيم وتحسين المظهر العام، وحق أصحاب الأنشطة الصغيرة في الحفاظ على مصادر دخلهم.

فالمحافظة تريد أكشاكًا أكثر تنظيمًا، بمساحات محددة وبيانات إلكترونية وتصميم موحد، بينما يحتاج أصحاب الأكشاك إلى ضمان ألا تتحول تكلفة هذه المتطلبات إلى سبب في فقدان تراخيصهم أو إغلاق أنشطتهم.

ومع بدء مهلة توفيق الأوضاع، تظل قدرة أصحاب الأكشاك على تحمل تكلفة التطوير هي الاختبار الأهم للمنظومة الجديدة، خصوصًا بالنسبة للأسر التي يمثل لها الكشك مصدر دخل أساسي.

وبينما تراهن القاهرة على أن توحيد الأكشاك سيعيد الانضباط إلى شوارع العاصمة، ينتظر أصحابها معرفة ما إذا كان «التطوير الحضاري» سيحسن شكل الكشك فقط، أم سيترك لهم أيضًا القدرة على الاستمرار في دفع تكاليف الحياة من خلفه.