في إنجاز جديد يُضاف إلى سجل الخيال القضائى المصري، أعلنت محكمة جنايات أمن الدولة العليا طوارئ بسلطة الانقلاب أنها اكتشفت أخيراً أن الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح — المعتقل منذ 2018 في زنزانة انفرادية لا يدخلها الهواء إلا بتصريح — كان يدير اجتماعات سرية، ويموّل شراء أسلحة، ويرصد ضباطاً ومنشآت… وكل ذلك من داخل غرفة لا تتسع لمدّ القدمين.
المحكمة، التي يبدو أنها تؤمن بأن الجدران لها آذان… وأذرع… وقدرات خارقة، قررت مدّ إدراج الرجل و27 آخرين على قوائم الإرهاب 5 سنوات إضافية، لأنهم — حسب الحيثيات — عقدوا اجتماعات داخل الزنازين، وتبادلوا التمويل، وخططوا لعمليات، رغم أن كاميرات المراقبة نفسها تشهد بأن الرجل لا يرى بشراً منذ سنوات.
الحيثيات اعتمدت على تحريات الأمن الوطني، التي — كعادتها — لا تحتاج إلى أدلة أو وقائع أو أسلحة مضبوطة أو حتى رواية قابلة للتصديق. يكفي أن “التحريات قالت”، فيتحول الخيال إلى حكم قضائي.
المعارضون استقبلوا القرار بسخرية واسعة، متسائلين:
كيف يجتمع أبو الفتوح مع 27 شخصاً وهو لا يُسمح له برؤية ظله؟
وكيف يشتري أسلحة وهو ممنوع من شراء دواء؟
وكيف يرصد ضباطاً وهو لا يرى الشمس؟
لكن يبدو أن المنطق آخر ما يشغل النظام، فالتهم — كما يقول حقوقيون — تُصنع بالجملة، وتُعاد تدويرها مثل البلاستيك، وتُستخدم لإبقاء آلاف المعتقلين خلف القضبان حتى إشعار غير وارد.
أبو الفتوح، الذي يعاني من نوبات قلبية وانزلاق غضروفي، يعيش في سجن بدر3، المكان الذي وصفه مركز الشهاب بأنه “حيث تُطفأ الأرواح”. السجن الذي تحوّل إلى نموذج مصغّر لفكرة “العقاب بلا سبب”، و“العزل بلا نهاية”، و“المرض بلا علاج”.
الحقوقيون يرون أن الاتهام الجديد ليس سوى ذريعة لإبقاء الرجل في السجن إلى أجل غير مسمى، لأن وجوده خارج القضبان — كما يقولون — قد يربك حسابات السلطة التي لا تريد أي شخصية ذات قبول شعبي في المشهد.
وفي الوقت الذي يُتهم فيه رجل في السبعين بتأسيس “خلية مسلحة” من زنزانة انفرادية، تصدر المفوضية الإفريقية حكماً يدين “كشوف العذرية” التي ارتُكبت في 2011، في تذكير مؤلم بأن العدالة قد تأتي من خارج الحدود، بينما داخلها تُستخدم المحاكم لتجريم الهواء.
وبينما يرى مراقبون أن الحكم الإفريقي “نقطة ضوء”، يصرّ الواقع المصري على تقديم “نقاط ظلام” جديدة، آخرها اتهام رجل محبوس انفرادياً بأنه يدير عمليات عسكرية من غرفة لا يدخلها إلا الحارس.
هكذا تستمر الحكاية:
نظام يطارد أشباحاً… ويصنع إرهابيين من سجناء لا يستطيعون الوقوف دون مساعدة.
