لم يكن 28 يناير 2011 يومًا عاديًا في تاريخ مصر، بل كان اللحظة التي انهار فيها جدار الخوف، وخرج الشعب المصري في عزّ المحافظات، من الإسكندرية إلى أسوان، ومن السويس إلى المنصورة، مطالبًا بشعار واحد اختصر كل شيء:
بعد ثلاثة أيام من انطلاق ثورة يناير، جاء "جمعة الغضب" كذروة للمواجهة المفتوحة بين الدولة الأمنية وشعب قرر ألا يعود إلى البيوت. الشوارع امتلأت، الميادين اشتعلت، والهتافات خرجت من الحناجر بلا حساب للعواقب.
الشعب ركب يا باشا
كانت تلك العبارة، التي صرخ بها أحد المتظاهرين في وجه ضابط شرطة، تعبيرًا صادقًا عن لحظة انقلاب ميزان القوة. لم تعد المدرعات تُخيف، ولا الهراوات تُرهب. شباب بصدور عارية تصدوا لآليات مدرعة، وأجبروا قوات الأمن على التراجع، ثم الانسحاب الكامل من المشهد.
في ساعات قليلة، اختفت الشرطة من الشوارع، وخلع بعض أفرادها ملابسهم الرسمية خوفًا من غضب شعبي لم يعرفه النظام من قبل. أقسام الشرطة احترقت، ومقار أمن الدولة سقطت، وتهاوت أسطورة "القبضة الأمنية" التي حكمت مصر لعقود.
شهادات ميدانية من ميدان التحرير تؤكد أن تنظيم الصفوف، وحماية المتظاهرين، وإدارة نقاط الإسعاف البدائية، كانت تتم بتعاون بين شباب الثورة بمختلف انتماءاتهم، وكان للإخوان حضور لا يمكن إنكاره، سواء اتفق معهم البعض أو اختلف.
هتافات صنعت اللحظة
"سلمية.. سلمية"
"ارفع راسك فوق.. أنت مصري"
"عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية"
لم تكن مجرد هتافات، بل إعلانًا عن ولادة وعي جمعي جديد، كسر احتكار السياسة، وأعاد تعريف معنى الوطن والمواطنة.
من 2011 إلى الآن.. ماذا تغيّر؟
بعد 15 عامًا، يعود السؤال بإلحاح: ماذا بقي من 28 يناير؟
سقط رأس النظام آنذاك، لكن الدولة العميقة بقيت، وأعادت إنتاج نفسها بصورة أكثر قسوة. عاد الحكم الأمني، لا باعتباره حارسًا للنظام، بل باعتباره النظام نفسه.
اليوم، تُدار السياسة بالخوف، والاقتصاد بالديون، والمجال العام بالإغلاق الكامل. جيل جديد نشأ بعد 2013، يسمع عن يناير كـ"مؤامرة"، بينما هي في حقيقتها انتفاضة شعبية مكتملة الأركان شارك فيها الملايين.
28 يناير لم يكن خطأ تاريخيًا، بل فرصة ضائعة.
لم يكن فوضى، بل لحظة تحرر.
وما يخيف السلطة اليوم ليس ذكرى يوم، بل إمكانية تكراره.
لأن الشعوب قد تصبر طويلًا، لكنها حين "تركب"، لا تنسى الطريق.

