ياسر الغرباوي/ يكتب :التقدم والهوية: ثلاثة مفاتيح للخروج من المأزق

- ‎فيمقالات

يُقال إن القيم هي "المسطرة" التي يقيس بها المجتمع أفعاله، فهي ليست مجرد عواطف أخلاقية، بل معايير حاكمة يُحاكم بها السلوك: هذا حسن، وهذا قبيح؛ هذا مقبول، وهذا مرفوض. ومن دون هذه المسطرة يفقد المجتمع بوصلته، ويتحوّل السلوك إلى فوضى.

 

غير أن الإشكالية تبدأ حين ندرك أن التقدم بطبيعته يستلزم أفعالا جديدة وسلوكا جديدا، وكل جديد، بحكم كونه غير مألوف، يُقاس على مسطرة قديمة، فتبدو النتيجة في كثير من الأحيان سلبية، وهنا ينشأ التوتر المزمن بين الثبات القيمي والتجدد الحضاري.

 

عندما تُحاكم القيم الجديد

 

التاريخ الإسلامي والعربي مليء بأمثلة هذا التوتر؛ حين دعا الدكتور طه حسين إلى تعليم الفتيات في الجامعة المصرية، وفتح أبواب التعليم العالي أمامهن، واجهت دعوته رفضا شديدا، لا من تيارات اجتماعية فقط، بل حتى من بعض المرجعيات الدينية آنذاك، وأعضاء في البرلمان، وكان المعيار القيمي السائد ساعتها يعتبر خروج المرأة للتعليم العالي تهديدا لمنظومة الأخلاق.

 

ومثل ذلك حدث مع دخول القهوة إلى العالم الإسلامي؛ فقد قوبلت بفتاوى تحريم في بدايات انتشارها، بدعوى أنها مفسدة للعقول ومجلبة للهو. وكذلك إدخال المطبعة؛ إذ عارضها بعض الفقهاء بحجة أن الحرف العربي مقدس، وأن طباعة النصوص قد تمسّ قدسية القرآن.

 

في كل هذه الحالات، لم يكن المجتمع بلا قيم؛ بل كان يتحرك بدافع حماية القيم والهوية، غير أن المشكلة لم تكن في القيمة نفسها، بل في طريقة تمثلها وحدود فهمها.

 

أين تكمن الإشكالية؟

 

الإشكالية لا تقع في قيمة ذاتها، بل في معيارها. فالقيم الكبرى -كالكرامة، والعفة، والعدل، والعلم، والمسؤولية- قيم ثابتة في النصوص المؤسسة وفي الضمير الجمعي، لكنها في الواقع الاجتماعي قد تُختزل أو تُقزَّم أو تُحبس داخل تأويلات تاريخية محددة.

 

القرآن الكريم يقرر مبدأ الكرامة الإنسانية في أفق واسع: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ"، ويؤسس للتساوي الإنساني: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ".

 

لكن في لحظات تاريخية معينة، قد تضيق دائرة هذه الكرامة في المخيال الاجتماعي، فيُختزل مفهومها في بقاء المرأة داخل المنزل، أو في منعها من التعليم، بزعم حماية الشرف أو العفة؛ هنا لا تختفي قيمة الكرامة، لكنها تتقلص قامتها.

 

إذن، القيمة أصلية وثابتة، لكن تمثلها في الوعي الجمعي قد يصبح قاصرا بفعل الأعراف، أو الخوف، أو التراكمات التاريخية.

 

الخطوة الأولى: التفريق بين القيمة وتجلياتها

 

أولى خطوات التقدم دون فقدان الهوية والقيم هي التمييز بين القيمة في ذاتها كمبدأ كلي منفتح على المستقبل، وتجلياتها التاريخية في مجتمع معين. القيم الكبرى -كالعدل أو الكرامة أو العلم- ليست أسيرة صورة واحدة؛ تعليم المرأة لم يكن نقيضا للكرامة، بل توسيعا لمدلولها، وإدخال المطبعة لم يكن مساسا بقدسية القرآن، بل وسيلة لحفظه ونشره. وعندما نفرق بين جوهر القيمة وصورتها الاجتماعية المؤقتة، نستطيع أن نتحرك دون أن نشعر بأننا نخون هويتنا.

 

الخطوة الثانية: اختبار الجديد بالواقع

 

الخوف من الجديد غالبا ما يكون افتراضيا، لكن الواقع هو المختبر الحقيقي. هل أدى تعليم الفتيات إلى انهيار القيم؟ أم أدى إلى رفع مستوى الأسرة والمجتمع علميا وأخلاقيا؟ هل أفسدت القهوة العقول؟ أم أصبحت جزءا من الثقافة اليومية دون أن تهدم المنظومة الأخلاقية؟ هل أضرت المطبعة بالدين؟ أم ساهمت في حفظه ونشر علومه؟

 

الحوار العقلاني، والتجربة الواقعية، يكشفان أن كثيرا من المخاوف كانت مبالغا فيها؛ ليس كل جديد صالحا، لكن الحكم عليه يجب أن يكون بنتائجه الفعلية لا بصورته الغريبة.

 

الخطوة الثالثة: رفع مستوى القيمة لا خفض سقف الحياة

 

المجتمع أحيانا يختار الحل الأسهل: بدل أن يرفع مستوى فهمه للقيم، يخفض مستوى الحياة ليتوافق مع فهم ضيق لها، بينما المسار الحضاري الحقيقي هو العكس: نرفع فهمنا للقيم لتكون أوسع وأقدر على استيعاب التحولات. والميزة الكبرى في المرجعية الإسلامية أن النص القرآني يحمل سقفا قيميا مرتفعا جدا: العدالة، الشورى، الكرامة، العلم، العمران. هذه القيم في جوهرها منفتحة على المستقبل، وليست منغلقة على لحظة تاريخية بعينها، والمشكلة لا تكمن في النص، بل في القراءة.

 

ختاما: كيف نتقدم دون أن نفقد أنفسنا؟

 

التقدم لا يعني هدم الهوية والقيم، كما أن الحفاظ على الهوية لا يعني تجميد التاريخ. القيم ليست سجنا للمجتمع، بل بوصلة، لكن البوصلة لا تمنع الحركة؛ بل توجهها. وحين نفرق بين القيمة وتجلياتها نختبر الجديد بميزان الواقع لا بميزان الخوف؛ نرفع مستوى فهمنا للقيم بدل أن نخفض مستوى حياتنا يمكننا أن نتقدم دون أن نفقد أنفسنا، بل ربما نكتشف أن التقدم الحقيقي هو، في جوهره، تحرير القيم من قيود الفهم الضيق، لا التحرر منها.