احتمالات اندلاع احتجاجات جماهيرية .. استطلاع لمعهد واشنطن: 85% من المصريين غير راضين عن الأداء الاقتصادي للسيسى

- ‎فيتقارير

أظهر استطلاع رأي أجراه معهد واشنطن، ونُشرت نتائجه في أبريل 2026، قراءة معمقة لاحتمالات اندلاع احتجاجات جماهيرية في مصر، رابطاً إياها بشكل مباشر بتدهور الأوضاع الاقتصادية.

 

وكشفت البيانات عن حالة من الغليان المكتوم؛ إذ عبّر نحو نصف المشاركين في الاستطلاع (بنسب تراوحت بين 45% و50%) عن اعتقادهم بأن اندلاع احتجاجات شعبية واسعة النطاق أمر "محتمل" في ظل الظروف الراهنة، وهو مؤشر يعكس تصاعد الاحتقان مقارنة بالسنوات السابقة.

 

وتشير الإحصاءات التي رصدها المعهد إلى أن نسبة عدم الرضا عن الأداء الاقتصادي لحكومة السيسى ، بلغت 85%، بينما وصل القلق من ملف الأمن المائي وسد النهضة إلى مستوى قياسي بلغ 90%.

 

رغبة في التعبير عن الرفض

 

يشير التحليل المصاحب للاستطلاع إلى أن توقع الاحتجاجات لا يستند بالأساس إلى دوافع سياسية أو أيديولوجية، بل إلى "احتجاج الخبز" الناتج عن عدم الرضا عن الأداء الحكومي. ويوضح المعهد أن المشاركين يشعرون بإحباط شديد من عجز الحكومة عن حمايتهم من غلاء المعيشة، ما جعل فكرة التظاهر تبدو لدى نحو نصفهم وسيلة اضطرارية للتعبير عن الضيق الاقتصادي، رغم إدراكهم للمخاطر الأمنية المترتبة على ذلك.

 

وفي سياق الربط بين الداخل والخارج، يرى المعهد أن هذه النسب المرتفعة من توقع الاحتجاجات تمثل "كابوساً" لصناع القرار في واشنطن وتل أبيب، لأن عدم الاستقرار في مصر يهدد مباشرة الترتيبات الإقليمية. ولهذا — بحسب التحليل — تُوظَّف هذه الأرقام للضغط باتجاه توفير "مسكنات اقتصادية" عاجلة للنظام المصري، لمنع وصول حالة عدم الرضا (85%) إلى مرحلة الانفجار الفعلي، وهو ما يفسر تركيز واشنطن خلال لقاء أبريل 2026 على ملف "الدعم الاقتصادي والتجاري" باعتباره أولوية للحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية.

 

واقع الأزمة المعيشية وفجوة الثقة الاقتصادية

 

يكشف تحليل موقع The Washington Institute للرأي العام المصري عن حالة عميقة من عدم الارتياح تجاه السياسات المالية المتبعة. فالغالبية العظمى ترى أن الجهود الحكومية لم تنجح في كبح التضخم الذي التهم القوة الشرائية للمواطن. وتشير الفقرات التحليلية إلى شعور متزايد بأن التركيز على المشروعات القومية الكبرى والعاصمة الإدارية جاء على حساب شبكات الأمان الاجتماعي والخدمات الأساسية، ما خلق فجوة بين الخطاب الرسمي حول "الإنجازات العمرانية" وبين الواقع اليومي الصعب الذي يعيشه المواطن. وهذا يفسر وصول نسبة عدم الرضا عن إدارة الملف المعيشي إلى مستويات غير مسبوقة تضع ضغوطاً كبيرة على صانع القرار.

 

السياسة الخارجية بين الحذر الشعبي والتوافق الرسمي

 

على صعيد العلاقات الدولية، تظهر النتائج تناقضاً واضحاً بين الدفء الذي تتسم به اللقاءات الرسمية — مثل لقاء أبريل 2026 مع المستشار الأمريكي — وبين البرود الشعبي تجاه واشنطن ومراكز الأبحاث المرتبطة باللوبيات "الإسرائيلية".

 

فالمواطن المصري لا يزال ينظر بريبة إلى النوايا الأمريكية في المنطقة، وتظل قضية سد النهضة المحرك الأول للقلق القومي بنسبة شبه إجماعية. ويسود انطباع بأن الضغوط الخارجية والوساطات الدولية لم توفر حماية كافية لحقوق مصر المائية، ما يعزز النظرة السلبية تجاه الاعتماد على الحلفاء الغربيين في القضايا الوجودية.

 

الشارع والنظرة السلبية

 

تُظهر نتائج الاستطلاع أن الشارع لم يعد يثق في الوعود الحكومية بشأن انفراجة قريبة. فالنصف الذي يتوقع الاحتجاج يرى أن المسار الحالي لا يؤدي إلا إلى مزيد من الضغوط. هذا التشاؤم يضع النظام أمام اختبار حقيقي بين الاستمرار في المشروعات القومية الضخمة وبين توجيه الموارد سريعاً لتهدئة الشارع ومنع تحول "احتمالية الاحتجاج" إلى واقع قد يقلب المشهد.

 

ويبدو أن نشر هذه الأرقام السلبية من قبل مراكز أبحاث مرتبطة بـ"إيباك" ليس عملاً صحفياً مجرداً، بل أداة ضغط سياسية تُظهر للإدارة الأمريكية مدى هشاشة الوضع الداخلي في مصر. فمن خلال إبراز نسب الفساد المدركة وعدم الرضا عن الأولويات الحكومية، تُرسم حدود واضحة لما يمكن للقيادة المصرية تقديمه من تنازلات في الملفات الإقليمية، حيث تبقى "الجبهة الداخلية القلقة" العائق الأكبر أمام أي تحركات دبلوماسية لا تضمن عائداً اقتصادياً مباشراً ينعكس على حياة المواطن.

 

معهد واشنطن وإيباك.. علاقة تاريخية

يرتبط معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (WINEP) بعلاقة تاريخية ومؤسسية مع لجنة الشؤون العامة الأمريكية اليهودية (AIPAC)، وهي علاقة معروفة في أوساط مراكز الفكر في واشنطن.

 

تأسس المعهد عام 1985 بمبادرة من مارتن إنديك — الذي أصبح لاحقاً سفيراً للولايات المتحدة في تل أبيب — وكان حينها يشغل منصب مدير الأبحاث في إيباك. وجاء تأسيس المعهد بهدف إنشاء كيان بحثي "أكاديمي المظهر" يقدم دراسات تدعم المصالح المشتركة بين الولايات المتحدة و"إسرائيل"، ولكن بصيغة تبدو أكثر استقلالية من الضغط المباشر الذي تمارسه إيباك.

 

ورغم أن المعهد يعرّف نفسه اليوم كمؤسسة مستقلة وغير حزبية، فإن العديد من الباحثين — مثل ستيفن والت وجون ميرشايمر في كتابهما "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية" — يصنفونه كأحد الأذرع الفكرية الأساسية ضمن منظومة اللوبي.

 

ويتمتع المعهد بنفوذ واسع في واشنطن؛ فكثير من باحثيه ينتقلون إلى مناصب رفيعة داخل الإدارة الأمريكية، والعكس صحيح. وغالباً ما تمر زيارات المسؤولين الأمريكيين للمنطقة عبر قنوات تنسيق يكون للمعهد فيها دور مؤثر، خصوصاً في ملفات مثل ليبيا والسودان وأمن الكيان.

 

وعندما يزور مسؤول أمريكي رفيع القاهرة ويلتقي المنقلب السيسى ، فإن "الأجندة" التي يحملها تكون — وفق تحليلات عديدة — قد صيغت أو نوقشت داخل مراكز الفكر مثل معهد واشنطن. وهذا يعكس أن السياسة الأمريكية تجاه مصر، بما في ذلك الملفات الدينية أو الإقليمية، لا تنفصل عن الرؤية الاستراتيجية التي يروج لها اللوبي.