يتعامل نظام الانقلاب مع أي مسار جاد في هذا الوطن بعدوانية مفرطة في مشهد يتكرر كثيرا، مشاهد اقتلاع أشجار الزيتون وتدمير مزارع المواطنين في شمال سيناء لأخلاء الأرض من سكانها خدمة للعدو الصهيوني وتجريف أراضي الوراق لارتفاع قيمتها الاستثمارية وتسليمها للإمارات، تكرر هذا المشهد حديثا في ارض "الثورة الخضرة" بقرب مدينة الشيخ زايد لارتفاع قيمتها الاستثمارية لقربها من الحيز العمراني.
أصدرت هيئة المجتمعات العمرانية في سبتمبر 2025 قرارا يجبر الأهالي على التنازل عن 75 % من المساحات المخصصة لهم مقابل توصيل المرافق والحاقها بمدينة الشيخ زايد، ما وضع الأهالي تحت ضغط كبير مما اضطر بعضهم لبيع ارضه بينما تمسك بها آخرون على اعتبار انها ملكية خاصة بهم ومن يرفض التنازل تُنتزع منه الملكية "نزع ملكية مقنع", على مدار أكثر من عشرين سنة استصلح الأهالي هذه المساحات وعمروها وزرعوا فيها الزيتون والموالح واستقرت حياتهم في الأرض التي حصلوا عليها من وزارة الزراعة بعقود قانونية.
واكد مصدر بوزارة الإسكان، تحفظ على ذكر اسمه، إنه يتم تطبيق القرار، بشأن تقنين الأراضي، موضحًا أن الأمر لا يقتصر على حي الشيخ زايد فقط؛ إنما جميع الأراضي المسجلة بعقود وتم تحويلها من زراعي إلى سكنى.
وأكد أنه من لم يلتزم بتقديم الأوراق المسجلة خلال الفترة المقررة، سيتم رفع مذكرة بشأنه إلى هيئة المجتمعات العمرانية، ودراسة موقفه، مشددا على أن أصحاب الأراضي لن يتمكنوا من إدخال المرافق إلى أراضيهم، بجانب المخالفة الأخرى الخاصة بالبناء.
يقول احمد حسين، من أوائل المقيمين بالمنطقة، إن البداية كانت تقوم على فكرة بسيطة من خلال أرض زراعية يعتمد عليها في الزراعة والمعيشة، إذ اختار زراعة أشجار الزيتون، وظل لسنوات يسعى لتقنين وضعه واستخراج التراخيص اللازمة لبناء منزل على جزء محدود من الأرض، مع الإبقاء على المساحة الأكبر للزراعة.
وتلقى أحمد عبد الله، أحد الملاك بالمنطقة، خطابا رسميا يطالبه بالتنازل عن 75٪ من ملكيته المسجلة مقابل توصيل المرافق، لافتًا إلى أنه سبق أن تلقى خطابات مماثلة في عام 2019، تطالب بنسبة 50٪ فقط، قبل أن ترتفع النسبة لاحقًا، إذ إن الإجراءات تتضمن تحرير توكيل يتيح للجهة المختصة التصرف في كامل قطعة الأرض، إلى جانب التنازل عن حق التقاضي، مقابل إعادة تخصيص 25٪ فقط من الأرض له، مع إمكانية التقدم لاحقًا لشراء النسبة المتبقية وفقًا للأسعار التي يتم تحديدها.
وانتقد محمد جمال، أحد الأهالي، إقامة بعض المشروعات، التي شملت بناء أبراج سكنية مرتفعة بالقرب من مناطق مفتوحة، إلى جانب تغير طبيعة بعض المساحات العامة، وهو ما انعكس، بحسب رأيه، على الطابع العام للمدينة، وتحولت بعض الطرق الرئيسية إلى أنشطة تجارية مفتوحة، بما يصاحب ذلك من تأثيرات على الحركة والتنظيم.
وتعود جذور منطقة «الثورة الخضراء» إلى أواخر السبعينيات، حينما جرى تخصيص نحو 1800 فدان غرب طريق مصر- الإسكندرية الصحراوي لصالح جمعية زراعية، تم تقسيمها إلى مساحات، وطرحها على الأعضاء بهدف استصلاح الأراضي، وظهرت التحديات مبكرا أمام الأهالي، نتيجة ارتفاع ملوحة المياه الجوفية وصعوبة استخراجها، ما دفعهم للبحث عن بدائل، وذلك من خلال توفير مصادر مياه من مناطق قريبة ونقلها عبر شبكات إلى الأراضي، واستخدامها في الري.
متنفس لمدينة كاملة
ويضيف الدكتور عباس الزعفراني استاذ التخطيط البيئي بجامعة القاهرة أن الحزام الأخضر من الممكن أن يكون منتجًا مثل الأراضي الزراعية، أو غير منتج مثل الأشجار والحدائق العامة للتنزه، غير أنه تم تصميمه في منطقة الشيخ زايد ليكون منتجًا، لذا بدأ المواطنون يختارون هذه المنطقة لغرض السكن، لأنها كانت أرخص من المناطق الأخرى، مستدركًا: سكنوا في مكان فاخر بفلوس قليلة، فبسبب التوسع العمراني الذي اتجه إليه المواطنون فقدنا الحزام الأخضر، في حين يجب أن يكون نصيب الفرد من المساحات الخضراء داخل مصر 10 أمتار مربعة كحد أدنى.
ويقول الدكتور علي قطب أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق: للهواء مقومات، فعندما نقلل من المساحات الخضراء تقل جودة الهواء، ما يؤثر على صحة الإنسان بنقص الأكسجين وزيادة الكربون، وتلوث الهواء تختلف نسبته حسب مساحة المسطحات الخضراء، لذا يجب أن تكون نسب المسطحات الخضراء محددة في كل منطقة، بحيث تقام المباني على نسبة 60٪ والمسطحات الخضراء بنسبة 40٪، وأن تكون الارتفاعات منخفضة لكى تسمح بوجود تيارات هوائية ونقل الهواء من منطقة إلى أخرى، متمنيًا أن يستحوذ التخطيط العمراني في المستقبل على أهمية أكبر بتحديد أماكن الأبراج السكنية.
وشدد خبير في البيئة على ضرورة زيادة الرقعة الزراعية لمواجهة الانبعاثات الكربونية وأشاد بـشجرة الزيتون، واصفاً إياها بالشجرة المقاومة ذات الفوائد المتعددة، مشيرا إلى أن المساحات الخضراء ليست مجرد «زينة» أو مظهر جمالي؛ بل قطاع إنتاجي وصناعي مهم يوفر الغذاء الصحي والطبيعي، ويدعم قطاع الصناعات الغذائية والتصدير (مثل زيت الزيتون)، ما يجعلها استثماراً في الصحة والاقتصاد معا.