فى زمن الانقلاب، حيث تُهدر أموال البلاد على المصالح الخاصة لعصابة العسكر، يواجه الشباب تحديات كثيرة من بطالة وإدمان مخدرات وقمع وكبت وانتهاكات حقوق الإنسان، بجانب الإهمال فلا أنشطة تُمارس ولا مجالات إبداعية أو بحثية تمول وتشجع، ولا تقدير أو احترام للكرامة ترسخ الثقة بالنفس والشعور بالتقدير. هذه الكوارث تدفع الشباب إلى طريق الإدمان والمخدرات والتسلية وتضييع الوقت عبر مواقع السوشيال ميديا ما يهدد بإصابة الكثيرين منهم بالأمراض والضياع .
فى هذا السياق انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعى مقاطع فيديو يظهر فيها مراهقون تتراوح أعمارهم بين 13 و18 عامًا يتناولون أحد العقاقير الطبية أطلقوا عليه اسم «فصلان» وهم يترنحون، مؤكدين أنهم يشعرون بحالة من الانفصال عن الواقع، وأصبح هذا العقار « تريند كلوزابكس» بينهم؛ يتبارى كل منهم فى إظهار تأثيره عليه.
«تريند كلوزابكس» كشف عن وجه جديد للمخاطر التى تنتشر عبر المنصات الرقمية، حيث امتد التهديد إلى الترويج لعقاقير طبية قد يترتب على إساءة استخدامها عواقب صحية خطيرة وربما قاتلة ورغم ذلك لم تتحرك حكومة الانقلاب للقبض على هؤلاء الشباب أو منع هذه الفيديوهات الكارثية من الانتشار لأنها لا تهتم بحماية الشباب وإنقاذه مما يواجهه من كوارث .
مضادات الذهان
فى هذا السياق حذَّر الدكتور محمود لطفى صقر، أستاذ السموم بكلية الطب جامعة عين شمس، من التعامل مع عقار «كلوزابكس» باعتباره وسيلة للترفيه أو الهروب من الضغوط النفسية، موضحًا أن العقار يحتوى على المادة الفعالة «كلوزابين (Clozapine)»، وهى أحد مضادات الذهان المستخدمة فى علاج بعض حالات الفصام والاضطرابات الذهنية.
وكشف «صقر» فى تصريحات صحفية أن أعراض التسمم أو الجرعات الزائدة تختلف وفقًا للكمية المتناولة والحالة الصحية للمريض والأدوية المصاحبة، إلا أن أكثر الأعراض شيوعًا يتمثل فى النعاس الشديد الذى قد يتطور إلى فقدان الوعى، وتشوش الذهن واضطراب الإدراك، وتداخل الكلام، وفقدان الاتزان، فضلًا عن تسارع ضربات القلب وانخفاض ضغط الدم.
وأكد أن بعض الحالات قد تتعرض لتثبيط شديد بالجهاز العصبى المركزى يؤدى إلى الدخول فى غيبوبة ، إلى جانب احتمالية حدوث فشل أو ضعف حاد فى التنفس، ما يستدعى نقل المريض إلى وحدات الرعاية المركزة واستخدام أجهزة التنفس الصناعى فى الحالات الحرجة.
وأشار «صقر» إلى أن التشنجات العصبية تعد من أخطر المضاعفات الناتجة عن الجرعات المرتفعة من العقار، وقد تشكل تهديدًا مباشرًا للحياة فى بعض الحالات، لافتًا إلى أن الجرعات الزائدة قد تؤدى كذلك إلى مضاعفات قلبية خطيرة تشمل اضطرابات نبضات القلب وهبوطًا حادًا فى الدورة الدموية.
وقال إن المراهقين والشباب الذين يتناولون العقار إلى جانب كبار السن ومرضى القلب، هم الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات الخطيرة، مشددًا على أن ظهور أعراض مثل النعاس الشديد أو اضطراب الوعى أو التشنجات أو صعوبة التنفس بعد تناول العقار يستوجب التعامل مع الحالة باعتبارها طارئة، ونقلها فورًا إلى المستشفى .
حالات تسمم
وكشف «صقر» أن مركز علاج التسمم بمستشفيات جامعة عين شمس استقبل خلال الفترة الأخيرة عددًا من حالات التسمم والجرعات الزائدة المرتبطة بالعقار، مؤكدًا أن معظم الحالات يمكن إنقاذها إذا تم التدخل الطبى السريع، بينما تكمن الخطورة الحقيقية فى التأخر فى طلب الرعاية الطبية أو تناول الدواء مع مواد أخرى مثبطة للجهاز العصبى المركزى.
وطالب الشباب، بأن يدركوا أن الأدوية النفسية ليست وسيلة للتسلية أو التجربة أو تحسين المزاج، وإنما عقاقير علاجية قوية صُممت للتعامل مع أمراض محددة وتحت إشراف طبى صارم، محذرًا من الانسياق وراء المعلومات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعى أو تناول أى دواء اعتمادًا على تجارب الآخرين.
انفلات قيمى
وأكد الباحث التربوى الدكتور محمد السيد العزازى، أن تحويل الأدوية والعقاقير الطبية إلى مادة للترفيه أو وسيلة لتحقيق المشاهدات والتفاعل الرقمى يعكس حالة من الانفلات القيمى والصحى، حيث يتم تجريد الدواء من وظيفته العلاجية وتحويله إلى أداة للمغامرة أو التجربة، وهو ما قد يدفع الشباب إلى التعامل مع أدوية شديدة الخطورة دون إدراك حقيقى لما قد تسببه من مضاعفات.
وشدد "العزازى" فى تصريحات صحفية على أن خطورة هذه الظواهر لا تقتصر على الجانب الصحى فقط، بل تمتد إلى التأثير فى وعى الشباب وسلوكهم، إذ يمتلك المحتوى الرقمى قدرة هائلة على تشكيل القناعات وإعادة صياغة المفاهيم لدى المتلقين، خاصة فى المراحل العمرية الصغيرة.
وأوضح أن المراهقين هم الفئة الأكثر تأثرًا بهذه التريندات بحكم طبيعة المرحلة العمرية التى تتسم بحب الاستطلاع والرغبة فى التجربة والبحث عن القبول الاجتماعى، إلى جانب التأثر الكبير بالمشاهير وصناع المحتوى.
وشدد "العزازى" على أهمية دور الأسرة باعتبارها خط الدفاع الأول فى مواجهة هذه الظواهر، موضحًا أن الحماية الحقيقية لا تقوم على المنع فقط، بل على بناء الثقة والحوار المستمر مع الأبناء، ومتابعة المحتوى الذى يتعرضون له عبر وسائل التواصل الاجتماعى، وتنمية مهارات التفكير النقدى لديهم حتى يتمكنوا من التمييز بين المحتوى النافع والضار.
عدوى رقمية
وكشف خبير أمن المعلومات والتحول الرقمى المهندس عمرو صبحى، أن الانتشار السريع لـ«تريندات» خطيرة مثل «الكلوزابكس» يرتبط بما يعرف بـ«العدوى الرقمية» والتأثير الشبكى، حيث تنتقل المقاطع المثيرة للجدل بين المستخدمين بوتيرة متسارعة، خاصة بين الشباب والمراهقين.
وقال "صبحى" فى تصريحات صحفية إن ما يعرف بحالة «الخوف من فوات الشىء» يدفع المستخدمين إلى مشاركة هذه المقاطع فيما بينهم عبر الرسائل الخاصة ومنصات التواصل المختلفة، سواء بدافع الفضول أو الرغبة فى معرفة ردود أفعال الآخرين، ما يحول الفيديو خلال ساعات قليلة إلى ظاهرة واسعة الانتشار.
وأكد أن المراهقين بين 13 و18 عامًا هم الأكثر تأثرًا بهذه «التريندات»، نظرًا لأنهم لا يزالون فى مرحلة تكوين الوعى واتخاذ القرار، إلى جانب رغبتهم المستمرة فى إثبات الذات والاندماج مع أقرانهم .
وطالب "صبحى" شركات التكنولوجيا بتحمل مسئولياتها الأخلاقية والمجتمعية عبر تطوير آليات استباقية لرصد المحتوى الضار، وعدم مكافأة المحتوى الصادم لمجرد تحقيقه معدلات تفاعل مرتفعة، إلى جانب توفير أدوات أكثر فاعلية لحماية القُصّر من المحتوى غير الملائم.