زلزال بقاعدة القضاة .. استقالات جماعية غير مسبوقة وضغوط معيشية وسياسية

- ‎فيتقارير

دخلت السلطة القضائية في مصر نفقاً مظلماً من الأزمات الهيكلية المتشابكة، حيث تفجرت موجات من الغضب المكتوم جراء تدهور الأوضاع الاقتصادية وتصاعد الضغوط المهنية، بالتزامن مع تدخلات تشريعية عصفت بقواعد الاستقلال التاريخية للمؤسسة.

وجاء إعلان مجلس القضاء الأعلى 18 يونيو 2026 عن دراسة مقترحات عاجلة لإقرار مزايا مالية شهرية تُمول من الموارد الذاتية للمجلس بمثابة اعتراف رسمي متأخر بحجم الاحتقان، وعقب أسابيع من تصاعد شكاوى القضاة ووكلاء النيابة عبر منشورات في المجموعات الخاصة بهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو الحراك الرقمي الذي سعت القيادة القضائية لإخماده عبر قرار المجلس الصادر في 25 مايو 2026 بإعادة تفعيل قرار سابق بإغلاق المجموعات القضائية الإلكترونية بدعوى تداول معلومات "غير صحيحة" تثير البلبلة.

منصة متصدقش @matsda2sh حاولت تقصي الأزمة والحديث مع 8 مصادر قضائية شملت 3 نواب لرئيس محكمة النقض بينهم نائب سابق، ورئيسين لمحاكم الاستئناف، و3 من وكلاء النيابة العامة.

موجة استقالات غير مسبوقة

تكشف البيانات الدقيقة الموثقة عن تآكل حاد وغير مسبوق في البنية البشرية لمنظومة العدالة، حيث خرج 1300 قاضٍ من الخدمة على مدار السنوات الأربع الماضية الممتدة منذ عام 2022 وحتى مارس 2026 وفقاً لما كشفته 7 مصادر قضائية للمنصة، وتشير الإحصاءات المقلقة إلى أن 800 قاضٍ من هؤلاء قد استقالوا خلال حوالي سنتين فقط من هذه الفترة احتجاجاً على تدني الرواتب وغلاء المعيشة الذي وصلت فيه معدلات التضخم إلى حدود 30%، بينما شهد العام القضائي 2024-2025 وحده ذروة هذا النزيف بتسجيل ما بين 400 و500 استقالة في موجة استقالات جماعية غير مسبوقة أصبحت تهدد بشكل مباشر استقرار وثبات منظومة العدالة المصرية وتفرغها من كفاءاتها الإدارية والقانونية.

يوميات القضاة في مواجهة طاحونة الغلاء

ولم تعد الأجور الحالية المتداولة لأعضاء الهيئات القضائية تتناسب مع المكانة الاجتماعية والالتزامات المعيشية المفروضة عليهم في ظل الأزمة الطاحنة، إذ يبلغ راتب رئيس محكمة من الفئة (أ) نحو 25 ألف جنيه شهرياً، وينخفض إلى نحو 20 ألف جنيه شهرياً لرئيس محكمة من الفئة (ب)، في حين يتقاضى وكيل النائب العام متوسط راتب يقارب 15 ألف جنيه شهرياً، ولا تزيد رواتب كبار المستشارين من نواب رئيس محكمة النقض أو رؤساء محكمة استئناف القاهرة عن 40 إلى 50 ألف جنيه.

هذا الواقع المالي الصادم أكده أحد رؤساء محاكم الاستئناف حين أوضح بمرارة أن راتبه الذي كان يكفي سابقاً للإنفاق والتعليم والعلاج لأبنائه الثلاثة في المدارس الدولية (الانترناشيونال) أصبح الآن لا يغطي سوى مصاريف مدرسة ابن واحد فقط، مما اضطره للصرف من مدخرات عائلية وبيع قطعة أرض لتدبير مصاريف التعليم، مما يعكس تحولاً طبقياً قاسياً طال قمة الهرم الوظيفي المعزز بالحصانة.

الاختلال الهيكلي

ويترافق العوز المادي مع عبء مهني خانق تترجمه المؤشرات الرسمية؛ حيث يعاني النظام القضائي من عجز حاد في عدد المستشارين أدى إلى وجود قاضٍ واحد لكل 33 ألف نسمة في مصر، في حين أن المعدل العالمي التقريبي يبلغ قاضياً واحداً لكل 14 ألف نسمة وفقاً لتصريحات وزير العدل الأسبق عمر مروان في ديسمبر 2020.

هذا النقص العددي الواضح يضع المنظومة في مواجهة طوفان سنوي جارف من النزاعات، يضم ما بين 12 إلى 13 مليون قضية جنائية سنوياً، ونحو 1.7 مليون قضية في القضاء الإداري، فضلاً عن 2.29 مليون قضية في المنازعات المدنية والتجارية، مما يحول بيئة العمل اليومية إلى محرقة بشرية تستنزف الطاقة النفسية والبدنية لأعضاء النيابة والمحاكم وتؤثر سلباً على جودة وجدارة الأحكام الصادرة.

حوادث غامضة وقرارات حظر النشر

وأخذت الأزمة منحى مأساوياً مع تصاعد الأنباء حول وقوع حالات وفاة مثيرة للجدل بين شباب القضاة ربطها زملاؤهم بوطأة الضغوط المهنية، حيث شهد يوم 25 مايو 2026 واقعة أليمة تمثلت في وفاة وكيل النائب العام الشاب فادي ماجد إدوارد البالغ من العمر 25 عاماً داخل شقته بكومباوند الخمايل في مدينة السادس من أكتوبر إثر إصابته بطلق ناري.

ورغم صدور الرواية الرسمية التي عزت الحادثة إلى انطلاق رصاصة خاطئة أثناء تنظيف سلاحه الشخصي، إلا أن المجموعات الافتراضية اشتعلت بروايات من زملائه تشير إلى احتمال الانتحار، وهي ذات الشبهة التي أحاطت بواقعة سابقة في 17 نوفمبر 2025 لواقعة انتحار أحد القضاة وفق منشور اطلعت عليه المنصة، لينضم هؤلاء إلى سجل يضم 8 حالات لقضاة أنهوا حياتهم لأسباب متشابهة ولم تعلن نتائج التحقيقات الرسمية فيها بعد، مما دفع بمجلس القضاء الأعلى للتسجيل الفوري في 25 مايو 2026 بقرار غلق المجموعات لمنع انتقال الغضب ونشر ما اعتبره مغالطات.

تسييس معايير الأقدمية القضائية

ولا تنفصل هذه التوترات المعيشية والإجرائية عن أزمة مكتومة تتعلق بهوية وقمة الهرم القضائي، مع اقتراب موعد انتهاء ولاية رئيس محكمة النقض ورئيس مجلس القضاء الأعلى الحالي المستشار عاصم الغايش في 30 يونيو 2026.

وتعيش الأروقة القضائية حالة ترقب جراء التجاوز المستمر لقاعدة الأقدمية المطلقة التي استقرت عليها الجماعة القضائية لعقود طويلة، وذلك بموجب التعديلات القانونية؛ ففي عام 2017 عدل الرئيس عبد الفتاح السيسي قانون السلطة القضائية ليصبح رئيس الجمهورية هو من يعين رئيس محكمة النقض من بين 3 نواب يرشحهم مجلس القضاء الأعلى من بين أقدم 7 نواب بدلاً من القاعدة المطلقة، وفي عام 2019 تم تعديل القانون ليصبح التعيين مباشرة من بين أقدم 7 قضاة، وهو المسار الذي أثار انتقادات متزايدة بسبب التجاوز الفعلي للأقدمية كما حدث عند تعيين المستشار حسني عبد اللطيف رئيساً للمحكمة في عام 2023.

ويتكرر التخوف منه الآن مع ترشح أسماء بارزة تقع في الترتيب بين المركزين 11 و13 في جدول الأقدمية (أي خارج دائرة السبعة الأقدم) ومنهم المستشار هاني عبد الجابر محافظ بني سويف السابق والمستشار علاء الدين مرسي المرتبط بقضايا أمن الدولة.

مساعي الاحتواء

وأنتجت المقاربة الأمنية والإدارية المتشددة لمجلس القضاء الأعلى حالة من الاستياء المكتوم والجدل الواسع بين شباب القضاة ووكلاء النيابة العامة، الذين استقبلوا قرار غلق مجموعات التواصل الإلكترونية بالرفض، ورأوا أن الإجراءات الجديدة جاءت في توقيت كانت فيه الحاجة أكبر إلى الاستماع لمشكلاتهم ومناقشة أوضاعهم الصعبة.

واعتبر القضاة المستجوبون أن المزايا المالية الموعودة وأعلن المجلس دراستها في 18 يونيو 2026 وصرفها من موارده الذاتية ليست سوى مسكنات عاجلة تهدف بالأساس إلى احتواء حالة الغضب المتصاعدة ومنع انتقالها إلى نطاق أوسع، مؤكدين أن غياب الإصلاح الهيكلي الشامل، واستمرار العمل تحت وطأة ظروف اقتصادية طاحنة وأعباء وظيفية تعجيزية، سيبقيان المنظومة القضائية برمتها على حافة الانفجار.

https://x.com/matsda2sh/status/2069070569090297870