أجواء من الفرحة والسعادة تفجرت فجأة في أوساط حكومة الانقلاب ، ونظام ما يسمى 30 يونيو ، احتفاء بتراجع معدلات الإنجاب والمواليد خلال العامين الماضيين، معتبرة أنها حققت بذلك إنجازا من العيار الثقيل وفق زعمها .
هذا الإنجاز بالطبع ليس من أجل مصالح الشعب المصري المطحون أو من أجل انتشاله من المستنقع الاقتصادي الذي يغرق فيه في سنوات الانقلاب، وإنما في سياق تنفيذ إملاءات النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة وأوروبا .
كانت حكومة الانقلاب قد أعلنت عن تسجيل تراجع جديد في معدلات الإنجاب والمواليد خلال العامين الماضيين، في مؤشر وصفته بأنه إيجابي ويدعم جهود التنمية المستدامة، وتحسين المؤشرات السكانية على مستوى الجمهورية وفق زعمها .
وخلال اجتماع المجلس القومي للسكان، استعرض خالد عبد الغفار وزير الصحة بحكومة الانقلاب نتائج تنفيذ الخطة العاجلة للاستراتيجية الوطنية للسكان والتنمية، زاعما تسجيل عدد من المؤشرات الإيجابية، أبرزها انخفاض معدل الإنجاب الكلي من 2.54 طفل لكل سيدة بنهاية 2023 إلى 2.34 طفل لكل سيدة بنهاية 2025.
وأشار عبد الغفار إلى أن البيانات أظهرت انخفاض معدل المواليد من 19.5 مولودًا لكل ألف من السكان في نهاية عام 2023 إلى 18.1 مولود لكل ألف من السكان بنهاية عام 2025.
وزعم أن تنفيذ الخطة العاجلة ساهم أيضًا في خفض عدد المناطق الحمراء الأكثر ضغطًا سكانيًا من 74 منطقة إلى 20 منطقة، مع توسيع نطاق المحافظات الخالية من هذه المناطق بحسب تصريحاته .
رأس المال البشري
يُشار إلى أن أرقام تراجع الانجاب والمواليد تعكس تناقضات حكومة الانقلاب في مواجهة تآكل القوة البشرية التي تصنع أزمةً صامتةً تهدّد الاقتصاد والأمن القومي برمّته، فالمجتمع يتحول ديموغرافياً بطريقة متسارعة، بما يدفع إلى تغيير ملامح الدولة واقتصادها خلال العقدين المقبلين، فيما تبين المؤشرات أنّ مصر تتحرّك بسرعة من اقتصادٍ قائمٍ على وفرة القوة العاملة الشابة الرخيصة إلى مجتمع يتجه تدريجياً نحو الشيخوخة وتباطؤ النمو السكاني، في وقت يعتمد فيه بشكل أساسي على تحويلات المصريين من أبناء الطبقة الوسطى والفقيرة، بوصفها الشريان الأول للنقد الأجنبي، بينما حكومة الانقلاب عاجزة عن جلب الاستثمارات أو الارتقاء بالتصنيع وتكنولوجيا الإنتاج الحديث.
وفى هذا السياق يروّج الخطاب الرسمي منذ سنوات لشعار "تنظيم الأسرة وخفض المواليد"، منفِّذاً برامج قاسية تحرم الأسر التي لديها أكثر من 4 أطفال من الدعم العيني، مع تحميل النساء كلفة هذه السياسات مالياً ونفسياً، في وقت لا تملك دولة العسكر خططاً لإعداد العمالة لسوق العمل وتشغليها بالداخل أو الخارج، ويتراجع دورها في توفير الحد الأدنى الذي يضمنه الدستور للمواطن من الرعاية الصحية والتعليم الجيد، وتوفير ضمان اجتماعي يحمهيم من العوز، وسوق عمل قادر على استيعاب الفئات الأكبر سناً، لأنها لا تعتقد بالاستثمار في رأس المال البشري، الذي هو عماد المجتمعات الراغبة في جعل سكانها القوة الرافعة للاقتصاد والابتكار ومواجهة التحديات الأمنية.
معدل الإنجاب الكلي
في هذا السياق كشف أكرم الجوهري، رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، نتائج المسح الصحي للأسرة المصرية لعام 2025، التي أظهرت تراجع معدل الإنجاب الكلي إلى 2.34 طفل لكل سيدة، مقارنة بـ2.85 طفل لكل سيدة في عام 2021.
وأكد الجوهري في تصريحات صحفية أن نسبة الانخفاض بلغت 18.2% خلال تلك الفترة، ما يُعزز فرص تحقيق مستهدفات الإستراتيجية الوطنية للسكان والتنمية بحلول عام 2027 وفق تعبيره .
وأوضح أن المسح الصحي للأسرة المصرية يوفر أكثر من 100 مؤشر متخصص يتعلق بصحة الأسرة والمرأة والطفل والشباب وتنظيم الأسرة، بما يساعد صناع القرار على تقييم السياسات السكانية والصحية وتطويرها بما يتناسب مع احتياجات المجتمع خلال السنوات المقبلة بحسب تصريحاته .
اتجاه نزولي
وأكد الدكتور عاطف الشيتاني المقرر الأسبق للمجلس القومي للسكان، أن الانخفاض المسجل في معدلات الإنجاب لا يقتصر على العامين الماضيين، بل يأتي ضمن مسار ممتد بدأ منذ سنوات، موضحًا أن معدل الإنجاب تراجع من نحو 3.5 طفل لكل سيدة عام 2014 إلى 2.85 طفل عام 2021، قبل أن يصل إلى 2.34 طفل لكل سيدة في 2025.
وقال الشيتاني، في تصريحات صحفية: إن "وتيرة الانخفاض لا تزال بطيئة نسبيًا، إذ استغرق المعدل نحو 4 إلى 5 سنوات للتراجع بنحو نصف طفل فقط لكل سيدة، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن إمكانية الوصول إلى معدل 2.1 طفل لكل سيدة خلال الفترة المستهدفة".
وأضاف أن معدل المواليد يشهد بدوره اتجاهًا نزوليًا مستمرًا منذ 2017، حتى وصل إلى نحو 18 مولودًا لكل ألف من السكان في 2025، معتبرًا أن ذلك يعكس تحسنًا ملحوظًا مقارنة بالفترات التي شهدت ارتفاعًا كبيرًا في معدلات الإنجاب وفق تعبيره.
وأرجع الشيتاني الانخفاض الي مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع سن الزواج، وتراجع معدلات الزواج، فضلًا عن التوسع في خدمات تنظيم الأسرة والصحة الإنجابية، لافتا إلى أن تعليم الفتيات يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في خفض معدلات الإنجاب، حيث يقلل استمرار الفتاة في التعليم من احتمالات الزواج المبكر، ويعزز قدرتها على اتخاذ قرارات بشأن تكوين الأسرة وعدد الأبناء.
وسائل تنظيم الأسرة
وأشار إلى أن زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل تُسهم أيضًا في تحسين المؤشرات السكانية، موضحًا أن تمكين المرأة اقتصاديًا وتعليميًا يرتبط تاريخيًا بانخفاض معدلات المواليد في العديد من التجارب الدولية وفق تعبيره.
وكشف الشيباني أن توسع حكومة الانقلاب في توفير وسائل تنظيم الأسرة الحديثة، خاصة الوسائل طويلة المفعول مثل اللولب والكبسولات تحت الجلد، تؤدى إلى انخفاض معدلات الإنجاب على المدى الطويل معتبرًا أن استمرار تحسين مستويات التعليم بين النساء سيدعم الاتجاه النزولي لمعدلات المواليد خلال السنوات المقبلة.
وشدد على أن انخفاض معدلات الإنجاب لا يعني توقف الزيادة السكانية بصورة فورية، متوقعا أن يواصل عدد السكان الارتفاع خلال السنوات المقبلة نتيجة استمرار دخول أعداد كبيرة من المواليد إلى التركيبة السكانية، حتى مع تحقيق المعدلات المستهدفة للإنجاب.
الوضع الاقتصادي
فى المقابل استبعد الخبير الاقتصادي الدكتور وائل النحاس، أن يؤدي تراجع المواليد إلى تحسن الوضع الاقتصادي أو شعور المواطنين بأي تحسن .
وقال النحاس في تصريحات صحفية: إن "حدة الأزمة الاقتصادية التي تعيشها مصر في الوقت الراهن ستعيق أي تأثير إيجابي لتراجع المواليد، موضحاً أنه على الرغم من كل الجهود الرسمية التي تهدف إلى ضبط النمو السكاني عبر الاستراتيجية الوطنية، فإن الوضع الاقتصادي أحد أهم أسباب تراجع معدلات الإنجاب وليست حملات التوعية وغيرها ".
وأكد أن الأسر تُخفض الإنجاب بسبب عدم قدرتها على الإنفاق على عدد كبير من الأطفال وليس اقتناعا بما تروجه الحكومات عن برامج تنظيم الأسرة .