الأمريكان يديرون العراق بـ”الريموت”.. حملة أمنية تطال نواب في أحد أكبر مستنقعات الفساد

- ‎فيعربي ودولي

يشهد الشارع العراقي حالة غير مسبوقة من الذهول والجدل عقب إطلاق السلطات القضائية والأمنية العراقية لحملة أمنية واسعة النطاق لمكافحة الفساد عُرفت باسم حملة "الفجر". وتأتي هذه الحملة تزامناً مع توجيهات رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، لوزارة المالية بفتح حساب خاص لإيداع الأموال المستردة من قضايا الكسب غير المشروع.

وفيما أعلنت هيئة النزاهة (على لسان المدير العام لدائرة الاسترداد) عن قرب عرض مسودة قانون استرداد الأموال على البرلمان بعد النجاح في حجز كميات كبيرة من الأموال في الخارج، كشفت المداهمات الأمنية داخل المنطقة الخضراء وخارجها عن ثروات خيالية مكدسة في منازل ومزارع نواب ومسئولين حاليين وسابقين، مما وصفه الشارع العراقي بـ"مغارة علي بابا" الحقيقية.

 

أرقام ومقتنيات تثير الذهول

طالت المداهمات والاعتقالات أكثر من 50 متهمًا حتى الآن، وسط تقديرات ترجح أن يتجاوز عدد المطلوبين حاجز الـ1000 مطلوب من النخبة السياسية والجهاز البيروقراطي للدولة (حيث أشارت مصادر أخرى لتوقيف ما بين 47 إلى 67 نائباً ومسئولاً وعميلاً كبيراً). ومن أبرز الأسماء التي تصدرت المشهد:

1. النائبة عالية نصيف العبيدي

الصفة: سياسية شيعية، نائبة في البرلمان لـ 4 ولايات متتالية عن ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، ومسئولة في لجنة النزاهة ضد الفساد.

المضبوطات في منزلها: أكثر من 20 مليار دينار عراقي (نحو 15.5 مليون دولار) وكميات كبيرة من الذهب.

المضبوطات في مزرعة نجلها: 53.4 مليون دولار أمريكي، وخيول قيمتها 7 ملايين دولار. (يُذكر أن نجلها كان يشغل منصب مدير مكتب رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني).

مفارقة شعبية: جرى تداول غسيل السمعة عبر توزيعها 15 شاحنة من الخضراوات على الفقراء قبل أسبوع من اعتقالها. كما رُبط اسمها بالصائغ "آدم جبن" الملقب بـ "وحش الذهب" في الشرق الأوسط كشريك محتمل في تبييض الأموال عبر تصنيع مجموعات ذهبية فاخرة.

2. النائبة هند محمد صالح حسن العباسي

الصفة: سياسية ونائبة عن محافظة صلاح الدين، حاصة على شهادة الدكتوراه (مواليد 1986).

المضبوطات في منزلها: 57 مليون دولار نقدًا (كاش)، و27 كيلوغرامًا من الذهب الخالص، بالإضافة إلى مقتنيات مثيرة للجدل وصفتها تقارير إعلامية بأنها "ملابس داخلية مصنوعة بالكامل من الذهب الخالص".

3. علي معارج صويدج البهادلي

الصفة: وكيل وزير النفط لشئون التوزيع.

المضبوطات: أعلن قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية عن ضبط 11 مليون دولار، و4 مليارات دينار عراقي، فضلاً عن حجز نحو 40 عقاراً موزعة بين بغداد وصلاح الدين وأربيل.

 

الرعاية الأمريكية واللعبة السياسية

وتصادف قبل الحملة (صدفة خير من ألف ميعاد) أن دخل الرئيس الأمريكي  دونالد ترامب على خط الأزمة عبر منصته "تروث سوشال"، محذراً من إعادة تنصيب نوري المالكي رئيساً للوزراء (الذي ترتبط به عالية نصيف ويوصف بأنه مقرب من إيران)، واصفاً سياساته بـ"الجنونية" ومهدداً بقطع المساعدات والدعم الأمريكي تماماً عن العراق حال عودته.

في وقت تشير تقارير وتدوينات إلى أن واشنطن تدخلت في اللحظات الأخيرة لمنع اقتحام منزل رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني وعدد آخر من كبار المسئولين في المنطقة الخضراء، بينما باركت ودعمت مداهمة البقية.

إلا أن رءوس الفساد لم ينقطعوا حيث طالبوا قادة رأي محليين وإقليميين (مثل الشيخ ثائر البياتي) بتوجيه رسائل لترامب والخزانة الأمريكية ودول الخليج بوقف أي دعم مالي جديد للعراق؛ لأن الأزمة ليست شح أموال بل "منظومة مافيات وميليشيات نهبت مئات المليارات"، مؤكدين أن استرداد الأموال أولى من ضخ أموال جديدة تُسرق مجدداً!

وإجمالا تطرح الحملة تساؤلات سياسية عميقة حول طبيعة الدور الأمريكي في إدارة المشهد العراقي؛ حيث يرى مراقبون أن الفساد في العراق طوال الربع قرن الأخير حظي برعاية وإدارة ضمنية من الإدارات الأمريكية المتعاقبة التي تعي خبايا الفاسدين وتدير البلد من خلالهم.

ويعزز د. عصام عبد الشافي (@essamashafy): هذا الرأي حيث اعتبر العراق أحد أكبر مستنقعات الفساد برعاية أمريكية، وينتظر ما ستسفر عنه الأيام بشأن كشف ملفات رئيس الوزراء الحالي علي فالح الزيدي نفسه.

وتساءل -ساب أعياد الطوفان (@AayadAlTwfan): بمرارة إن كانت الحملة مجرد "جز صوف الخراف" لتلميع صورة الحكومة الجديدة أمام المجتمع الدولي (توم براك)، أم أنها تصفية حسابات و"كسر عظم" بين حيتان الفساد في الحكومة السابقة والحالية، متسائلاً عن إمكانية إطلاق سراحهم بكفالة ومساومات مالية لاحقاً.

واعتبر الباحث والكاتب مأمون فندي (@mamoun1234):  أن العراق "ديمقراطية غارقة في الفساد"، ملمحاً إلى أن تبرير الفساد بات جزءاً من الثقافة السياسية العربية ما دام الفاسد ينتمي إلى القبيلة أو الطائفة أو الحزب.

وفتح محمد أحمد الجميلي (@MdUbaida): ملف عهد نوري المالكي، متسائلاً عن مصير 6000 مشروع وهمي وضياع 228 تريليون دينار (أكثر من 150 مليار دولار)، مشيراً إلى أن الحملة تستهدف الصغار وتستثني الحيتان الكبيرة.

وانتقد علي عبد الكريم (@Ali_y90__): تجاهل العراقيين لبيانات "مؤشر مدركات الفساد العالمي" (حيث يقع العراق في المرتبة 104 بالتساوي مع دول أفريقية متأخرة)، معتبراً أن ما يُسمى بالمعارضة السياسية في الداخل هي "معارضة وهمية صنيعة الحاكم" تشارك في تخدير القطيع وتمرير المسرحيات، دون المساس بجوهر الأزمة وهو نظام "المحاصصة الطائفية" (شيعة، سنة، أكراد) لتقاسم الغنيمة.

 

رؤية المستقبل

وتضع تقارير دولية (مثل "ميدل إيست مونيتور") حملة الفساد الحالية في العراق أمام معيار حقيقي: هل نحن أمام إصلاح مؤسسي شفاف يبدأ باستقلال القضاء ومحاسبة الجميع دون استثناء؟ أم أنها مجرد أداة سياسية لإعادة ترتيب موازين القوى وإضعاف الخصوم لصالح أطراف أخرى مدعومة إقليمياً ودولياً؟

ويقف الشعب العراقي اليوم بين الأمل في استعادة ثرواته المنهوبة التي تُقدر بنحو 300 مليار دولار خلال العشرين عاماً الماضية، وبين واقع مرير يؤكد أن تفكيك شبكات الفساد العميقة والميليشيات يتطلب إرادة وطنية خالصة تتجاوز التوازنات الإقليمية (الإيرانية) والدولية (الأمريكية).