بقلم /أحمد الزعفراني
عقب الإعلان عن مقترح قانون جديد للأحوال الشخصية، انفجرت موجة هائلة من ردود الفعل التي انطلقت تعبر في غالبيتها عن الرفض، بل والتنديد بما تضمنه مشروع القانون المقترح من بنود ومقررات قانونية تفرغ رابطة الزوجية من مضمونها الإسلامي، والحقيقة المؤكدة أنه ما من قانون يخص الأحوال الشخصية صدر أو كان مجرد اقتراح إلا وصاحبه ذلك الخلاف والجدل الشديد.
القانون رقم 25 الصادر عام 1920م كان قد جاء عقب ثورة شعبية قام بها المصريون، صاحبتها للمرة الأولى مشاركة واسعة من المرأة، وبرزت قيادات نسائية، كان منها صفية زغلول وهدى شعراوي، حملت على عاتقها النهوض بوضع المرأة وتحسين أوضاعها والارتقاء بمستواها فكريا واجتماعيا؛ لذلك جاء هذا القانون في كثير من بنوده متأثرا بتلك الموجة من الحركة النسائية.
هذه الحقيقة تمكن ملاحظتها بوضوح في قانون الأحوال الشخصية الذي صدر في مصر عام 1979م، فكان قد جاء عقب موجة من الانفتاح على الغرب وفلسفته في نظرتها لحقوق المرأة والطفل، فصدر بقرار جمهوري استثنائي فترة توقيع معاهدة السلام وفي ظل غياب البرلمان. ولا ننسى الدور الفاعل الذي لعبته جيهان السادات من قوانين كانت تقف خلفها، كان منها: منع تعدد الزوجات بدون إذن الزوجة الأولى، وإلزام الزوج بإخلاء شقة الزوجية لزوجته بعد الطلاق، لكن القانون واجه أزمة سياسية حادة أدت فيما بعد إلى إلغائه.
أثارت تلك القوانين الكثير من الجدل بشأن شرعيتها، ومدى موافقتها مقتضي الأحوال المجتمعية، وما قررته الشريعة الإسلامية بشأنها، وعانت كذلك من إشكالية المرجعية التي اعتمدت عليها السلطات المختصة في إقرارها
وعلى وقع انعقاد مؤتمر السكان والتنمية بالقاهرة عام 1994م، نصت وثيقته النهائية على المساواة التامة بين الزوجين حتى في الميراث، وقد باشرت هيئة الأمم المتحدة ولجانها المختصة متابعة تعديل القوانين المحلية بما يتناسب مع مقررات ذلك المؤتمر والمعاهدات الدولية الأخرى وعلى رأسها معاهدة سيداو.
وفي بداية الألفية الجديدة صدر قانون آخر سمي قانون الخلع جاء في سياق دولي ومحلي ضاغط تمثل في توسع نشاط المنظمات الدولية والانفتاح الرسمي عليها، ويحيط بذلك القانون الكثير من الجدل، حتى أطلق عليه المصريون قانون سندس، وأكثر من هذا تبعها إصدار قانون الحضانة والرؤية، وخلف ذلك كله تكمن المصلحة المباشرة لرئيس المجلس حينها الدكتور أحمد فتحي سرور، بما يؤكد الأسباب والدواعي الحقيقية التي كانت وراء إصدار مثل تلك القوانين.
وأخيراً ظهر مقترح قانون جديد أطلق عليه اسم الطلاق الشفوي عارضته مؤسسة الأزهر، وأصدرت هيئة كبار علمائها بيانا مفصلا ضمنته كتيّبا صدر مع مجلة الأزهر الشهرية فنّدت فيه المزاعم التي بررت إطلاق مثل هذا القانون، وأوضحت بالدليل القاطع مدى مصادمة نصوصه لقطعيات الشريعة.
وهذا يعني أنه جاء في سياق ما التزمت به المؤسسة الرسمية من تحديث وتطوير لما أطلقت عليه تجديد الخطاب الديني، وصراع محموم وحرب صامتة باردة بين الدولة والمؤسسة الدينية في تفسير النصوص وتأويلها بما يتفق مع وجهة الدولة وما تتبناه من سياسات وتوجهات، فجاءت تلك التعديلات المقترحة في ذلك السياق والظروف.
لهذا وغيره أثارت تلك القوانين الكثير من الجدل بشأن شرعيتها، ومدى موافقتها مقتضي الأحوال المجتمعية، وما قررته الشريعة الإسلامية بشأنها، وعانت كذلك من إشكالية المرجعية التي اعتمدت عليها السلطات المختصة في إقرارها.