«احنا عملنا اللي علينا يا رب».. مصير مجهول لشابي واقعة المعصرة وسط تصاعد الاعتقالات

- ‎فيحريات

محسن مصطفى وأحمد الشريف شابان في مقتبل العمر، في سنة ٢٠٢٥ كانا قد رأيا قدرًا كبيرًا من القهر على مدار ١٢ عاما، من وقت انقلاب ٢٠١٣ ؛ حيث أصبحت مصر دولة بوليسية قمعية بفجور، لا يوجد أحد يستطيع ان ينطق بكلمة رفض للظلم.

قرر هذان الشابان أن يبادرا، ويواجها الظلم بطريقة سلميّة دون سفك دماء، لكن بطريقة موجعة رغم سلميّتها، فحاصرا أفراد الأمن داخل قسم المعصرة على مدار ساعات، وعملا بثًا مباشرًا أوصلا من خلاله صوتهما ورسالتهما، وهما مدركان أن الموت أو التعذيب الشديد الذي يفوق طاقة البشر في انتظارهما. بعدها سلما أنفسهما.

الضابط كذب كالعادة لما وعدهما أنهما لن يلمسهما أحد، والداخلية كذبت لمّا أنكرت الحدث أساسا، لكن تمت الإطاحة بـ ١٦ مساعد وزير و١٠ مدراء أمن، وكان رئيس قطاع الأمن الوطني ممن تمت الإطاحة بهم، واختفى الشابان، وعلى الأرجح تم تعذيبهما حتى الموت.

واحد منهم قال بنبرة شديدة الصدق: احنا عملنا اللي علينا يا رب، وقالا إن هدفهم من اللي عملوه احياء موات الشعب الطيب الذي تعرض لقهر يتجاوز كل الحدود، وعبرا عن رفضهما لإغلاق النظام لمعبر رفح، مؤكدين أن النظام يتعامل بمنطق العصابات بديلا عن منطق القانون، فلم يصدر أي بيان عن مصير الشابين اللذين تم اختطفهما، ولا الإجراءات القانونية التي تمت معهما. وسيظل فعل هذين الشابين دليلًا على أن هناك إمكانية لخلخلة الظلم رغم انسداد كل الأبواب لو وُجدت الإرادة لذلك، فالباطل ضعيف فقط عندما يُدرك الحق مواطن القوة فيه.

وقال المحامي الحقوقي نبيه الجنادي إنه تلقى معلومات من مواطنين ومحامين في محافظات مختلفة يُظهر بوضوح تصاعد الملاحقات الأمنية وحملات القبض التي ينفذها جهاز الأمن الوطني ضد المواطنين، بـ«معدل أعلى من المعتاد»، بحسب وصفه.

وأوضح الجنادي لـموقع «مدى مصر» أن حملة التوقيفات الحالية بدأت قبل تداول مقطع الفيديو الذي يُقال إنه يُظهر اقتحام مقر الأمن الوطني بقسم شرطة المعصرة في حلوان، والتي لا تزال مستمرة حتى الآن.

ومن جانبها أعربت «الشبكة المصرية لحقوق الإنسان» عن قلقها الشديد بشأن مصير الشابين اللذين ظهرا في الفيديو، وهما محسن محمد مصطفى وأحمد الشريف، محملة النائب العام ووزارة الداخلية وجهاز الأمن الوطني مسئولية سلامتهما. كما شككت الشبكة في الرواية الرسمية بشأن الحادثة.

 

واقعة الاقتحام التي ظهرت في الفيديو "حدثت الفعل"

بدوره، قال أحد المحامين المترددين على مقر قسم شرطة المعصرة، ويقيم بالقرب منه، لـ«مدى مصر»، إن جميع من يترددون على المبنى، خصوصًا من سبق لهم الصعود إلى مقر الأمن الوطني في الطابق الرابع، يعلمون أن واقعة الاقتحام التي ظهرت في الفيديو "حدثت بالفعل".

وأوضح المحامي، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أن الأوراق التي ظهرت في الفيديو، والخاصة بكروت متابعة السجناء داخل مقر الجهاز، تعود إلى سجناء معروفين يخضعون حاليًا لإجراءات المتابعة، مضيفًا أن "الكل هنا يعلم أن الواقعة حقيقية، لكن عند الحديث عنها، يُفضل الجميع التزام الصمت، يقولون: لا نعرف. لا يؤكدون ولا ينفون، ومن يعترف يكون كمن أفشى السر".

ورجّح المحامي أن تكون الواقعة جرت صباح الجمعة الماضي قبل صلاة الجمعة، لافتًا إلى أن قسم المعصرة طُوّق أمنيًا منذ ذلك اليوم، مع سماع متكرر لأصوات سيارات النجدة في المنطقة ووجود لافت لسيارة شرطة عسكرية، مشيرًا إلى أن القسم محاط بأسوار حديدية منذ فترة طويلة.

بالإضافة إلى رواية المحامي، قالت الشبكة المصرية إنها حصلت على شهادات من معتقلين سابقين كانوا يخضعون للمتابعة الدورية داخل مقر الأمن الوطني بالمعصرة، تفيد أن الاقتحام جرى بعد صلاة الجمعة الماضي 25 يوليو الجاري، واستمر لمدة خمس ساعات، حيث طالب الشابان من داخل المقر بفتح المعابر وإدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، ووقف الحرب والإبادة الجماعية بحق المدنيين هناك.

وفي نهاية الاقتحام، سلّم الشابان نفسيهما طوعًا إلى قوات الأمن، بحسب بيان الشبكة، التي أشارت إلى أنه عقب الواقعة اقتحمت قوات الأمن منزليهما واعتقلت عددًا من أصدقائهما، بالإضافة إلى رجل سبعيني ونجله.

وأضاف المحامي المقيم في حلوان أنه رصد وقائع قبض ومداهمات في المنطقة المحيطة بقسم الشرطة وعدد من المحافظات الأخرى، وصفها بأنها «تسير بوتيرة غير معتادة»، موضحًا أن هذه التطورات تُعد «ضربة موجعة» لهيبة «الداخلية» وخاصة جهاز الأمن الوطني. وتوقّع أن تشهد الأيام المقبلة تغييرات في إجراءات المتابعة داخل مقار الجهاز، بالإضافة إلى زيادة في مستوى التسليح والتأمين.

 

استسلام تام

ولم يُبدِ المحامي دهشته من الواقعة، مشيرًا إلى أن التأمين في معظم مقرات الأمن الوطني التي تستقبل السجناء السابقين للمتابعة ضعيف للغاية، حيث "يعتمد بالأساس على خضوع السجين وخوفه من إعادة الاعتقال"، مضيفًا أن "السجين حين يذهب للمقر، يكون مستسلمًا تمامًا، يتلقى الأوامر من أمين الشرطة: اجلس هنا، قرفص هناك، اذهب أنت، تعالَ أنت، متجيش تاني".

وأكد أن إجراءات المتابعة تُنفذ خارج الإطار القانوني، دون هدف واضح سوى إرباك المعتقل وتعطيل حياته، موضحًا أن "السجين ينتظر ساعة أو ساعتين، وقد يُطلب منه التوقيع ثم يُسمح له بالمغادرة". مضيفًا "وأحيانًا لا يُطلب منه التوقيع، خاصة في نهاية فترة المتابعة، حيث يتم تقليص المدة تدريجيًا دون مبرر قانوني، كأن يُقال له: لا تأتِ كل أسبوع، بل كل شهر، أو كل يوم أحد فقط".

وختم بالقول: "لا يتم تفتيشهم، ولا تُجرى أي إجراءات أمنية حقيقية. لديّ شباب يخضعون لهذا النوع من المتابعة".