استشهد المعتقل محمد سمير نتيجة الإهمال الطبي المتعمد في 20 أغسطس الجاري، 45 عاماً، من مدينة أبو زعبل والمحكوم عليه بالسجن المؤبد، داخل "سجن وادي النطرون – تأهيل 9"، في حدث يفتح مجدداً ملف المسؤولية الجنائية والأخلاقية للدولة تجاه المحتجزين في عهدتها.
بحسب التقارير والتوثيقات الحقوقية الواردة (مثل بيانات مركز الشهاب لحقوق الإنسان ومنظمة هيومن رايتس إيجيبت)، لم تتسلم الأسرة الجثمان فوراً، حيث تعرضت لضغوط أمنية ومساومات مكثفة من قِبل السلطات الأمنية في مشرحة مستشفى شبين الكوم بمحافظة المنوفية.
وقد اشترطت الجهات الأمنية تسليم الجثمان بشرط أساسي، وهو إجبار الأسرة على التوقيع على إقرار رسمي كاذب يفيد بأن الوفاة حدثت نتيجة "أزمة قلبية طبيعية"، وذلك في محاولة واضحة للتنصل من المسؤولية الجنائية المرتبطة بالإهمال الطبي المتعمد داخل سجن وادي النطرون.
وتشير الشهادات المتقاطعة إلى أن الضحية كان يعاني من تدهور صحي في الجهاز الهضمي استدعى تدخلاً طبياً عاجلاً (إجراء منظار استكشافي للمعدة). ورغم توجه المعتقل للمركز الطبي بالسجن، قوبل طلبه بالتعنت والمماطلة من قبل إدارة السجن التي رفضت تمكينه من العلاج اللازم، مما أدى إلى تدهور حالته الصحية وإعادته لزنزانته في وضع حرج، حيث لفظ أنفاسه الأخيرة هناك. هذا النمط المتكرر من "التشخيص المتأخر" أو "الحرمان من الرعاية" لا يمثل خطأً طبياً فحسب، بل يرتقي لمستوى الجريمة الممنهجة التي تفتقر لأدنى معايير الإنسانية.
محاولات طمس الحقائق
لا تتوقف الانتهاكات عند الوفاة، بل تمتد لتشمل ممارسات تهدف لطمس معالم الجريمة. أفادت التقارير أن السلطات الأمنية مارست ضغوطاً جسيمة على أسرة المتوفى، مساومة إياهم على استلام الجثمان من مشرحة مستشفى شبين الكوم بمحافظة المنوفية، مقابل التوقيع على إقرار يُرجع الوفاة إلى "أزمة قلبية طبيعية". هذه الضغوط المكثفة هي محاولة استباقية للتنصل من المسؤولية الجنائية والإدارية عن الإهمال الطبي الذي أودى بحياة المعتقل.
مأساة عائلة سمير
إن مأساة محمد سمير ليست حدثاً معزولاً، بل هي جزء من استهداف ممنهج لهذه العائلة. فالمعتقل الراحل ليس الضحية الأولى؛ إذ سبقه شقيقه أحمد سمير الذي فارق الحياة في ظروف وصفتها الأسرة بأنها "تصفية أمنية"، بينما يواجه الشقيق الثالث، محمود سمير، مصيراً مجهولاً داخل سجن برج العرب، حيث يعاني الحرمان من الحرية. هذا الضغط المتعدد الجوانب على العائلة يمثل نموذجاً صارخاً للانتهاكات التي تطال الأسر المصرية.
المسؤولية القانونية
إن الامتناع المتعمد عن تقديم الرعاية الطبية للمحتجزين يُعد انتهاكاً جسيماً للحق في الحياة وتجريداً من الكرامة الإنسانية، ويصنف وفق القانون الدولي كجريمة قتل بالبطيء وممارسة للسلوك التعسفي. تؤكد المواثيق الدولية وقواعد نيلسون مانديلا أن الدولة تلتزم قانوناً بضمان سلامة المحتجزين وتوفير الرعاية الصحية لهم دون تمييز. وبناءً عليه، فإن إدارة سجن وادي النطرون، ومصلحة السجون، ووزارة الداخلية يتحملون المسؤولية الجنائية والإدارية الكاملة عن هذه الوفاة.
مطالب حقوقية
وطالب مركز الشهاب لحقوق الإنسان فتح تحقيق قضائي مستقل ومطالبة النائب العام بفتح تحقيق عاجل ومستقل في ملابسات الوفاة، ونشب تشريح طب شرعي محايد للوقوف على الأسباب الحقيقية واستبعاد شبهة الضغوط.
وطالب بتسليم الجثمان دون شروط والوقف الفوري لكافة أشكال المساومة الأمنية والضغط على أسر الضحايا، وتسليم جثمان المتوفى لذويه دون إجبارهم على توقيع إقرارات مخالِفة للواقع.
كما دعا لمحاسبة المتورطين ومساءلة ومحاسبة الطاقم الطبي وإدارة السجن الذين تعنتوا في تقديم الإسعافات والرعاية الطبية اللازمة للمحتجز.
ودعا للرقابة على مراكز الاحتجاز والسماح للجان الرقابية الوطنية والدولية المستقلة بزيارة سجن وادي النطرون وسائر مراكز التأهيل للاطلاع على الأوضاع الصحية للمحتجزين.
كما دعا لإنقاذ باقي أفراد الأسرة وتوفير الحماية القانونية والرعاية الصحية للشقيق المحتجز (محمود سمير) في سجن برج العرب للحد من تكرار الفاجعة.