برز اسم القيادي الفلسطيني السابق محمد دحلان مجدداً في النقاشات المتعلقة بمستقبل قطاع غزة، وسط تقارير عن اتصالات مكثفة يجريها مع مسؤولين أميركيين وإسرائيليين وشخصيات فلسطينية، وتكهنات بشأن إمكانية إسناد دور له في إدارة القطاع خلال المرحلة المقبلة.
وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، عقد دحلان في بداية العام اجتماعاً مغلقاً في إحدى المدن الأوروبية، جمع عدداً من الخبراء والمتخصصين في شؤون الشرق الأوسط، وتركزت المناقشات على مستقبل غزة ومستقبل دوره المحتمل في المشهد السياسي الفلسطيني.
ويشغل دحلان، موقع مستشار للشيخ محمد بن زايد، رئيس دولة الإمارات، فيما تكرر اسمه خلال السنوات الماضية باعتباره شخصية ذات قنوات اتصال مع مسؤولين إسرائيليين وأميركيين، فضلاً عن علاقاته الوثيقة بالقيادة الإماراتية.
اتصالات مع واشنطن وإسرائيل
اكتسبت تحركات دحلان أهمية إضافية في ظل لقاءاته المتكررة خلال الأشهر الأخيرة مع ستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط، وجاريد كوشنر، مستشار ترامب وصهره.
ونقل مشاركون في الاجتماع الأوروبي أن دحلان تحدث بإسهاب عن علاقاته بويتكوف وكوشنر، في وقت وجه فيه انتقادات حادة لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.
كما سلطت تقارير إعلامية إسرائيلية الضوء على لقاء جمع دحلان في أبو ظبي برئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي "الشاباك" داوود زيني، من دون صدور معلومات رسمية عن مضمون اللقاء أو الملفات التي نوقشت خلاله.
وأثار اللقاء تكهنات واسعة بشأن احتمال ارتباطه بملف مستقبل قطاع غزة، خصوصاً في ظل البحث الأميركي والإسرائيلي عن ترتيبات سياسية وأمنية للمرحلة التي تلي الحرب.
دحلان: لا أبحث عن منصب
ورغم تصاعد الحديث عن إمكانية عودته إلى المشهد السياسي الفلسطيني، نقلت مصادر حضرت الاجتماع الأوروبي أن دحلان أكد أنه غير مهتم بالعودة إلى العمل السياسي المباشر.
وبحسب أحد المشاركين، يرى دحلان أن تولي إدارة غزة أو رئاسة السلطة الفلسطينية سيكون بمثابة تراجع عن موقعه الحالي، الذي يمنحه مساحة أوسع للتحرك باعتباره شخصية مستقلة تتمتع بعلاقات واسعة مع مسؤولين وأجهزة استخبارات ودبلوماسية، لكن ذلك لم يمنع طرح اسمه باعتباره أحد الخيارات المحتملة لإدارة غزة، في ظل تعقيدات المرحلة المقبلة والدمار الهائل الذي خلفته الحرب.
إسرائيل تبحث عن بديل
تأتي عودة اسم دحلان إلى الواجهة في وقت تواجه فيه ترتيبات ما بعد الحرب في غزة عقبات سياسية وأمنية كبيرة، أبرزها الخلاف حول مستقبل حركة حماس، والوجود العسكري الإسرائيلي، والجهة التي ستتولى إدارة القطاع.
ويشير التقرير إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل طرحتا اسم دحلان ضمن الخيارات الممكنة لملء الفراغ السياسي في غزة، خصوصاً مع استمرار الخلاف حول آليات الانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار، لكن هذا الخيار يواجه اعتراضات فلسطينية وإسرائيلية أيضاً.
ويرى ميخائيل ميلشتاين، الرئيس السابق لقسم الشؤون الفلسطينية في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، أن الحديث عن عودة دحلان لقيادة غزة يمثل "وهماً" يستند إلى تقديرات لا تعكس الواقع الفلسطيني، مشيراً إلى افتقاره إلى الشعبية داخل المجتمع الفلسطيني.
وينتقد ميلشتاين ما يعتبره استمراراً إسرائيلياً في البحث عن شخصيات يمكن استخدامها لإضعاف السلطة الفلسطينية أو حركة حماس، بدلاً من التعامل مع الواقع السياسي الفلسطيني بصورة مباشرة.
صراع نفوذ بين أبو ظبي والدوحة
لا ينفصل اسم دحلان عن التنافس الإقليمي على النفوذ داخل الملف الفلسطيني، خصوصاً بين الإمارات وقطر.
ويشير التقرير إلى أن أبو ظبي تنظر إلى دحلان باعتباره أداة محتملة لتقليص النفوذ القطري في قطاع غزة، في ظل علاقات الدوحة مع حركة حماس والقوى الإسلامية الفلسطينية.
كما يرتبط دعم الإمارات لدحلان بخلافاتها مع محمود عباس، الذي تنظر إليه القيادة الإماراتية، وفق المصادر الواردة في التقرير، باعتباره شخصية فقدت القدرة على إدارة المرحلة المقبلة.
ومن هذا المنظور، يمكن أن يمثل دحلان بالنسبة إلى أبو ظبي قناة نفوذ فلسطينية مباشرة، سواء تولى منصباً رسمياً أم بقي خارج المؤسسات السياسية التقليدية.
من "رجل غزة القوي" إلى صانع نفوذ إقليمي
يمتلك دحلان تاريخاً طويلاً داخل قطاع غزة، فقد تولى بعد اتفاقيات أوسلو منصب مدير جهاز الأمن الوقائي في القطاع، وتحول إلى أحد أبرز مراكز القوة داخل السلطة الفلسطينية.
وخلال تلك المرحلة، ارتبط اسمه بصورة "رجل غزة القوي"، كما واجه اتهامات بالفساد والقمع وانتهاكات حقوق الإنسان، وهي اتهامات تظل جزءاً من الجدل حول تاريخه السياسي.
وفي عام 2006، فقد دحلان نفوذه في غزة بعد سيطرة حماس على القطاع، قبل أن تتصاعد خلافاته مع عباس، ويغادر الأراضي الفلسطينية لاحقاً.
ومع انتقاله إلى الإمارات، أعاد بناء موقعه السياسي بعيداً عن المؤسسات الرسمية الفلسطينية، وتحول تدريجياً إلى شخصية ذات نفوذ إقليمي، خصوصاً عبر علاقاته بالقيادة الإماراتية وشبكة اتصالاته الدولية.
النفوذ عبر المساعدات
مع تدهور الأوضاع الإنسانية في غزة، برز جانب آخر من نفوذ دحلان يتمثل في قدرته على الوصول إلى قنوات المساعدات والتمويل.
وينقل التقرير عن محلل فلسطيني وصفه بأنه "الرجل الوحيد القادر على إدخال الشحنات إلى غزة"، بينما قال محمد دراغمة، مدير مكتب وكالة "شرق نيوز" في الضفة الغربية، إن دحلان "ينجز الملفات" المتعلقة بالقطاع.
ويمنح هذا الدور، بحسب المصادر، دحلان مساحة للتأثير على الأرض، خصوصاً في ظل حاجة السكان إلى المساعدات، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من رصيد اجتماعي وسياسي.
كما يرى أحد المشاركين في الاجتماع الأوروبي أن دحلان يحاول تقديم نفسه باعتباره "الميسر الأكبر"، من خلال نقل المواقف الإماراتية إلى إسرائيل والمشاركة في الوساطات بين حماس وفتح.
تقارب مع حماس
وفي تطور لافت، التقى دحلان في القاهرة ممثلين عن عدد من الفصائل الفلسطينية، من بينها حركة حماس، في إطار بحث تحالفات سياسية محتملة استعداداً للانتخابات التشريعية التي أعلن عنها محمود عباس.
ويمثل هذا التواصل تحولاً مهماً مقارنة بالعلاقة شديدة التوتر التي طبعت تاريخ دحلان مع حماس، خصوصاً خلال فترة الصراع على السلطة في غزة.
وتشير المعطيات إلى أن الحرب الأخيرة دفعت باتجاه اتصالات جديدة بين أطراف فلسطينية كانت متخاصمة، في ظل البحث عن صيغة سياسية لإدارة القطاع بعد الحرب.
مستقبل غامض
رغم كل هذه التحركات، لا توجد، وفق المعطيات الواردة، مؤشرات حاسمة على أن دحلان يستعد لتولي منصب رسمي في غزة أو السلطة الفلسطينية.
فهو نفسه، بحسب المشاركين في الاجتماع الأوروبي، لم يبد رغبة في العودة إلى العمل السياسي المباشر، بينما يواصل في الوقت نفسه بناء شبكة واسعة من العلاقات والاتصالات مع أطراف فلسطينية وإقليمية ودولية.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية في صعود دحلان مجدداً: فالرجل الذي لا يبدو راغباً في تولي منصب رسمي قد يصبح أكثر تأثيراً من كثير من أصحاب المناصب الرسمية، عبر شبكة العلاقات والتمويل والوساطة التي بناها خارج المؤسسات الفلسطينية.
وبينما تبحث واشنطن وتل أبيب وأطراف عربية عن صيغة لإدارة غزة، وتستعد القوى الفلسطينية لمعركة إعادة تشكيل النظام السياسي بعد الحرب، يبقى السؤال مفتوحاً حول الدور الذي يسعى دحلان إلى لعبه فعلياً.
وكما خلص أحد المشاركين في الاجتماع الأوروبي، فإن التحركات المتزايدة حول دحلان لا تكشف بالضرورة ما يخطط له، بقدر ما تؤكد أن الرجل عاد إلى دائرة الحسابات المتعلقة بمستقبل غزة، من دون أن تتضح بعد طبيعة الدور الذي يريده أو الدور الذي قد يُعرض عليه.