تتجه الأنظار إلى الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة، وسط رهانات فلسطينية وإقليمية وأوروبية على إسقاط حكومة بنيامين نتنياهو، بعد سنوات من الحرب على قطاع غزة، وتصاعد الاستيطان والاعتداءات في الضفة الغربية، وامتداد المواجهات إلى جبهات إقليمية متعددة. لكن خلف الآمال المعلقة على رحيل نتنياهو، تبرز حقيقة أكثر تعقيدًا: أن تغيير الحكومة الإسرائيلية لا يعني بالضرورة تغيير السياسات التي تحكم تعامل إسرائيل مع الفلسطينيين.
فبينما يُنظر إلى سقوط ائتلاف اليمين المتطرف باعتباره فرصة للحد من التصعيد وتخفيف الضغوط الدولية، لا تقدم مواقف قوى المعارضة الرئيسية مؤشرات واضحة على استعدادها للتخلي عن المقاربة الأمنية أو وقف المشروع الاستيطاني بصورة جذرية، فضلًا عن غياب الالتزام بإقامة دولة فلسطينية أو استئناف مفاوضات جادة تفضي إلى تسوية نهائية.
وتكشف مواقف شخصيات بارزة في معسكر المعارضة، من نفتالي بينت إلى غادي آيزنكوت، عن استمرار الرهان على القوة العسكرية وتوسيع النفوذ الإقليمي، حتى مع اختلاف الخطاب عن التصريحات الأكثر تطرفًا التي تصدر عن نتنياهو وشركائه في الائتلاف الحاكم.
وبينما تأمل السلطة الفلسطينية أن تتيح حكومة جديدة هامشًا لتخفيف الإجراءات الاستيطانية والاعتداءات، وتتطلع عواصم أوروبية إلى إنهاء مرحلة التوتر الحاد مع حكومة نتنياهو، يبقى السؤال: هل تتجه إسرائيل إلى تغيير سياسي حقيقي، أم أن الانتخابات ستقتصر على إعادة ترتيب المشهد الداخلي مع استمرار النهج الرافض للتسوية؟
الانتخابات الإسرائيلية.. خياران "أحلاهما مرّ"
يرى الباحث المتخصص في الشأن الإسرائيلي أنطوان شلحت أن الفلسطينيين، أينما وجدوا، يواجهون خيارين «أحلاهما مرّ»، في ظل محدودية الفوارق الجوهرية بين المعسكرين المتنافسين على الحكم، رغم وجود اختلافات في الخطاب والأولويات.
وأوضح شلحت أن اليمين المتطرف بقيادة نتنياهو يتحدث صراحة عن مستقبل الحرب وتهجير الفلسطينيين، بينما لا تطرح أحزاب المعارضة التهجير بالطريقة نفسها في خطابها الانتخابي. ويمثل ذلك أحد أبرز الفوارق بين الطرفين، لكنه لا يكفي، بحسب هذه القراءة، للقول إن المعارضة تحمل مشروعًا سياسيًا مختلفًا جذريًا.
وفي ملف الضفة الغربية، يتحدث الائتلاف اليميني الحاكم علنًا عن ضم الأراضي الفلسطينية وحسم السيطرة عليها، بينما تتبنى أحزاب من «معسكر التغيير» مقاربة تقوم على مأسسة الاستيطان، مع استمرار معارضتها إقامة دولة فلسطينية.
وبذلك، لا تقدم المعارضة بديلًا واضحًا عن النهج القائم بقدر ما تختلف مع الحكومة الحالية في بعض الأدوات والخطابات، وهو ما يفسر استمرار الرهان على إسقاط نتنياهو رغم محدودية التوقعات بشأن حدوث تحول جذري في السياسة الإسرائيلية.
ووفق قراءة شلحت، فإن المراهنة على المعارضة لا تعني انتظار انقلاب في المواقف الإسرائيلية، وإنما التعويل على احتمال الحد من السياسات الأكثر تطرفًا، وتخفيف بعض الإجراءات التي زادت عزلة إسرائيل الدولية، حتى لو بقيت الخيارات الأساسية تجاه الفلسطينيين على حالها.
المقاربة الأمنية تجمع نتنياهو وخصومه
تظل المقاربة الأمنية إحدى أبرز نقاط الالتقاء بين حكومة نتنياهو والمعارضة الإسرائيلية، وفق شلحت، إذ يشدد أقطاب المعسكرين على ضرورة الحفاظ على أمن إسرائيل من خلال القوة العسكرية والاستخباراتية، من دون مؤشرات واضحة على مراجعة جوهرية لهذا النهج.
ويدعو غادي آيزنكوت، زعيم حزب «يَشار» وأحد أبرز وجوه المعارضة، إلى تحويل إسرائيل إلى «قوة إقليمية كبرى»، في حين يتبنى نفتالي بينت خطابًا تصعيديًا تجاه تركيا وقطر، متوعدًا بإعلانهما «دولتين عدوتين»، كما يدعو إلى إعداد خطة عسكرية «سرية ومفاجئة» لحسم المواجهة مع حركة حماس.
وتعكس هذه المواقف أن التنافس الانتخابي لا يدور بالضرورة حول التخلي عن استخدام القوة، بل حول كيفية توظيفها وإدارة المواجهات الإقليمية، ومدى قدرة الحكومة المقبلة على تحقيق أهدافها العسكرية والسياسية.
ومن هنا، تبدو الفوارق بين نتنياهو ومنافسيه أقرب إلى اختلاف في الأسلوب والأولويات منها إلى خلاف حول الأسس الأمنية التي تحكم السياسة الإسرائيلية.
ولا يقتصر الأمر على إدارة المواجهات العسكرية، بل يمتد إلى التصورات المتعلقة بمستقبل الصراع مع الفلسطينيين. فمفاهيم مثل «إدارة الصراع» و«تقليص الصراع» حاضرة في خطاب بعض قادة المعارضة، وتقوم على تحسين الأوضاع الاقتصادية للفلسطينيين، خصوصًا في الضفة الغربية، بما يخفف الضغوط الأمنية، من دون معالجة جذور الصراع أو ضمان الحقوق السياسية الوطنية.
وقد برز هذا النهج في الخطاب الإسرائيلي منذ الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، حين جرى التعامل مع الصراع بوصفه أزمة أمنية قابلة للاحتواء، لا قضية سياسية تتطلب إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية.
واللافت أن أحزاب المعارضة، وفق المادة الانتخابية التي يتناولها شلحت، لا تطرح بوضوح استئناف مفاوضات تفضي إلى تسوية نهائية أو تبني حل الدولتين، في ظل غياب هذا الخيار أيضًا عن خطاب اليمين الحاكم.
وهذا الغياب يضع حدودًا واضحة للتوقعات الفلسطينية من الانتخابات؛ إذ قد يتغير الخطاب الرسمي أو تنخفض حدة بعض الإجراءات، لكن ذلك لا يضمن انتقال إسرائيل إلى مسار سياسي يعالج أسباب الصراع.
السلطة الفلسطينية تراهن على رحيل نتنياهو
لا يقتصر ترقب تغيير الحكومة الإسرائيلية على العواصم الخارجية، بل يشمل السلطة الفلسطينية التي تجد نفسها أمام مأزق سياسي متفاقم، مع استمرار الحرب وتوسع الاستيطان وتراجع فرص إطلاق مسار تفاوضي.
وقال قيادي في دائرة الرئيس الفلسطيني محمود عباس لـ«عربي بوست» إن بقاء حكومة نتنياهو بعد الانتخابات يعني أن المنطقة برمتها تتجه نحو «كارثة»، وليس القضية الفلسطينية وحدها. ويعكس هذا التقدير حجم القلق الفلسطيني من استمرار الائتلاف اليميني، في ضوء التصعيد العسكري والسياسي الذي شهدته السنوات الماضية.
من جانبه، رأى عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أحمد مجدلاني أن أي حكومة إسرائيلية، أيا كانت هويتها، ستكون «أفضل» من الحكومة الحالية، لكنه أقر بأن تشكيل حكومة من المعارضة لا يعني بالضرورة فتح مسار سياسي يقود إلى حل الدولتين.
ويستند هذا الرهان، بحسب مجدلاني، إلى ما وصفه بـ«الواقعية الممكنة»، أي احتمال أن تقدم حكومة مختلفة عن الائتلاف اليميني على وقف الإجراءات الاستيطانية والحد من اعتداءات المستوطنين.
وقد تشكل مثل هذه الخطوات، إذا تحققت، انفراجة محدودة بالنسبة إلى الفلسطينيين، كما قد تساعد إسرائيل على تخفيف عزلتها الدولية، من دون أن تعني بالضرورة تغير موقفها الأساسي من إقامة دولة فلسطينية.
لكن الرهان الفلسطيني يصطدم بطبيعة المعارضة نفسها؛ فهي لا تتبنى برنامجًا واضحًا للتسوية السياسية، ولا تقدم تعهدات حاسمة بإعادة إحياء المفاوضات على أساس حل الدولتين.
وبالتالي، قد يقتصر التغيير الذي تنتظره السلطة الفلسطينية على تخفيف بعض الإجراءات الأكثر تطرفًا، بدلًا من الانتقال إلى مسار جديد ينهي الاحتلال ويعالج جذور الصراع.
معسكر التغيير.. خلافات قد تعرقل إسقاط نتنياهو
تتركز المنافسة الانتخابية، وفق شلحت، على كيفية حسم المواجهات في الجبهات المتعددة، إلى جانب القضايا الداخلية الإسرائيلية، بينما لا تحظى السياسة الخارجية، بما فيها القضية الفلسطينية، بالمكانة نفسها في النقاش الانتخابي.
وتضم المعارضة الإسرائيلية، المعروفة باسم «معسكر التغيير»، قوى وتكتلات رئيسية، من بينها حزب «يَشار» بزعامة غادي آيزنكوت، والتحالف الذي يضم نفتالي بينت ويائير لابيد، وحزب «إسرائيل بيتنا» برئاسة أفيغدور ليبرمان، إضافة إلى حزب «الديمقراطيين» بقيادة يائير جولان، الذي يمثل ما تبقى من اليسار الصهيوني.
لكن مواجهة نتنياهو لا تعني أن هذه القوى تتبنى رؤية سياسية موحدة؛ إذ تتباين مواقفها بشأن تشكيل الحكومة المقبلة، وطبيعة التحالفات الممكنة، وكيفية إدارة الصراع الإقليمي.
وتظهر إحدى أبرز نقاط الخلاف في مسألة الاستناد إلى أصوات الأحزاب العربية لتشكيل حكومة بديلة. فحزب «إسرائيل بيتنا» يرفض الاعتماد على الأصوات العربية، وهو موقف يتقاطع مع أحزاب في ائتلاف نتنياهو، بينها «الصهيونية الدينية»، التي ترفض بدورها قيام حكومة تعتمد على دعم الأحزاب العربية.
وتكشف هذه المواقف حدود التحالفات الممكنة داخل النظام السياسي الإسرائيلي؛ فالمعارضة لنتنياهو لا تعني بالضرورة قبول شراكة سياسية مع المواطنين العرب أو الأحزاب التي تمثلهم، ما قد يعقد فرص تشكيل ائتلاف بديل حتى في حال تحقيق نتائج انتخابية تضعف اليمين الحاكم.
كما لا يستبعد شلحت سيناريو تشكيل حكومة وحدة، في ظل الاستقطاب الحاد والتقارب بين بعض القوى المتنافسة. ويشير إلى أن آيزنكوت أبدى انفتاحه على الانضمام إلى حكومة من هذا النوع مع حزب الليكود، بشرط غياب نتنياهو عن المشهد السياسي.
وفي حال تعادل معسكري اليمين والمعارضة، قد تتعقد مفاوضات تشكيل الحكومة، بما يفتح الباب أمام استمرار حكومة انتقالية أو التوجه إلى انتخابات جديدة. ولا يستبعد شلحت تدخلًا أمريكيًا لدفع الأطراف نحو تشكيل حكومة وحدة واسعة، تفاديًا لتجدد أزمة سياسية ممتدة على غرار ما شهدته إسرائيل عام 2019.
لكن هذه السيناريوهات تظل رهينة نتائج الاقتراع وقدرة القوى المتنافسة على تجاوز خلافاتها؛ فإضعاف نتنياهو انتخابيًا لا يضمن وحده وصول معارضة متماسكة إلى الحكم.
أوروبا تريد نهاية مرحلة نتنياهو
تترقب بريطانيا والاتحاد الأوروبي نتائج الانتخابات الإسرائيلية وسط تصاعد الانتقادات الأوروبية لحكومة نتنياهو، في ظل توتر العلاقات بين تل أبيب وعدد من العواصم الأوروبية بسبب الحرب على غزة والسياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وتجلت الخلافات في السجالات العلنية والإجراءات الدبلوماسية المتبادلة، بما في ذلك إغلاق إسرائيل سفارات وقنصليات وطرد دبلوماسيين تابعين لعدد من الدول، على خلفية مواقفها الرافضة لممارسات الاحتلال، وفق ما ورد في المادة الأصلية.
وفي هذا السياق، تبدو الانتخابات فرصة محتملة للأوروبيين للتعامل مع حكومة إسرائيلية مختلفة، بعد مرحلة اتسمت بتوترات متصاعدة مع حكومة نتنياهو.
وقال مصدر في مكتب الاتحاد الأوروبي بالقدس إن دول الاتحاد تعوّل على سقوط حكومة اليمين بزعامة نتنياهو، لكنه أقر بأن ذلك يظل احتمالًا في ظل الاستقطاب الحاد بين اليمين المتطرف والمعارضة.
وأشار المصدر إلى أن نتائج الانتخابات لا تحسم وحدها شكل الحكومة المقبلة، وأن الخلافات داخل معسكر التغيير قد تعرقل تشكيل ائتلاف بديل.
كما لفت إلى أن لدى أوروبا ملفات وتحديات تتجاوز القضية الفلسطينية، من بينها الحرب في أوكرانيا وأزمة الطاقة، إلى جانب قضايا أخرى تتنافس على اهتمام العواصم الأوروبية ومواردها السياسية والدبلوماسية.
ويعني ذلك أن الرهان الأوروبي على رحيل نتنياهو لا يرتبط بالضرورة بتوقع تحول جذري في موقف المعارضة من الفلسطينيين، بقدر ما يعكس الرغبة في إنهاء مرحلة اتسمت بتوترات حادة مع عدد من الحكومات الأوروبية.
كذلك، فإن انشغال أوروبا بأزماتها الأخرى قد يحد من قدرتها على ممارسة ضغط مستمر على إسرائيل، بصرف النظر عن هوية الحكومة المقبلة، ما يجعل أي توقعات بتحول سريع في السياسة الإسرائيلية بحاجة إلى قدر من الحذر.
هل تفرض التحولات الإقليمية تغييرًا على إسرائيل؟
في ظل هذه الحسابات، يترقب الفلسطينيون ودول المنطقة احتمال سقوط حكومة نتنياهو، على أمل أن يفتح ذلك المجال أمام مقاربة مختلفة، حتى لو لم تؤد إلى تحول جذري في السياسات الإسرائيلية.
وقد يتيح تغيير الحكومة مساحة لتخفيف بعض الإجراءات، أو إعادة ترتيب العلاقات مع الأطراف الدولية، أو الحد من حدة الخطاب التصعيدي. لكن هذه الاحتمالات لا تعني بالضرورة معالجة جذور الصراع، ما دامت المواقف الأساسية بشأن الاحتلال والاستيطان والدولة الفلسطينية لم تشهد مراجعة واضحة.
وأشار المصدر الأوروبي إلى أن إسرائيل ليست بمنأى عن التحولات التي يشهدها الإقليم والعالم، في ضوء ما أفرزته السنوات الأخيرة وما قد تحمله المرحلة المقبلة من تطورات غير متوقعة.
وقد تضع هذه التحولات إسرائيل أمام وقائع واستحقاقات جديدة، وربما تفتح المجال أمام حلول لم تكن مطروحة من قبل. غير أن تحقق ذلك يظل مرتبطًا بتغيرات سياسية أوسع من مجرد تبديل الحكومة أو إعادة تشكيل الائتلاف الحاكم.
تغيير الوجوه لا يكفي لإنهاء الصراع
تكشف مواقف المعارضة الإسرائيلية أن إسقاط نتنياهو، رغم أهميته بالنسبة إلى خصومه وإلى الأطراف التي تضررت علاقاتها بحكومته، لا يمثل في حد ذاته ضمانة لحدوث تحول سياسي تجاه الفلسطينيين.
فالمواقف المعلنة بشأن الأمن والاستيطان ورفض إقامة الدولة الفلسطينية تشير إلى أن التغيير المحتمل قد يطال أسلوب إدارة الصراع أكثر مما يطال أسسه السياسية.
وبالنسبة إلى السلطة الفلسطينية، قد يكون رحيل نتنياهو فرصة لتخفيف بعض الضغوط، لكنه لن يكون كافيًا ما لم تقترن الحكومة الجديدة بخطوات عملية لوقف الاستيطان والاعتداءات، وفتح مسار سياسي جاد ينهي الاحتلال ويضمن الحقوق الوطنية الفلسطينية.
أما الرهان الأوروبي، فيبقى مرتبطًا بمدى استعداد العواصم الأوروبية لتحويل خلافاتها مع نتنياهو إلى سياسة ضغط مستدامة، بدلًا من الاكتفاء بالتطلع إلى حكومة أقل تصادمًا معها.
وبينما تتنافس القوى الإسرائيلية على تشكيل الحكومة المقبلة، يظل الفلسطينيون أمام سؤال أكثر جوهرية من هوية الفائز: هل تستطيع الانتخابات أن تفتح الباب أمام تغيير حقيقي في السياسة الإسرائيلية، أم أن أقصى ما يمكن أن تحققه هو استبدال الوجوه مع استمرار الاحتلال والاستيطان ورفض التسوية؟
في ظل غياب تعهدات واضحة من المعارضة بشأن حل الدولتين وإنهاء الاحتلال، تبدو الإجابة حتى الآن أقرب إلى الاحتمال الثاني، ما لم تفرض التحولات الإقليمية والدولية وقائع جديدة تتجاوز حسابات الانتخابات الإسرائيلية وحدها.