اعتُقل إسلام أثناء توجهه إلى جامعة الأزهر عام 2014، ولحق به شقيقه محمد من داخل لجنة امتحانات عام 2015.. ومنظمة حقوقية تطالب بوقف الإعدام ومراجعة استمرار احتجازهما وضمان حق الأسرة في التواصل معهما
أكثر من أحد عشر عامًا مرت على أسرة مصرية من محافظة الشرقية، وهي تعيش مأساة إنسانية لم تنتهِ فصولها، بعدما فقدت وجود اثنين من أبنائها داخل المنزل إثر اعتقالهما في واقعتين منفصلتين خلال عامي 2014 و2015، قبل أن تتضاعف معاناتها بصدور حكم بالإعدام بحق أحدهما، وتأييده نهائيًا من محكمة النقض.
إنها مأساة الشقيقين إسلام ومحمد صبري حجر، اللذين تحولت سنوات شبابهما إلى سنوات طويلة خلف القضبان، بسجون المنقلب السفاح السيسى، بينما تعيش والدتهما حالة مستمرة من القلق والخوف والانتظار، بين أمل عودة أحد نجليها، والخشية من تنفيذ حكم الإعدام الصادر بحق الآخر.
وأعربت منظمة "هيومن رايتس إيجيبت" عن بالغ قلقها إزاء استمرار احتجاز الشقيقين، محذرة من التداعيات الإنسانية والقانونية لاستمرار هذه الأوضاع، ومطالبة بوقف تنفيذ حكم الإعدام الصادر بحق إسلام صبري حجر، وضمان مراجعة قانونية تستوفي معايير المحاكمة العادلة.
وتعيد القضية تسليط الضوء على معاناة أسر المحتجزين في مصر، خاصة العائلات التي امتد غياب أبنائها لسنوات طويلة، وأصبحت حياتها معلقة على قرارات قضائية وإجراءات احتجاز لا تملك القدرة على تغييرها.
إسلام حجر.. طالب أزهري اعتُقل في طريقه إلى الجامعة
بدأت مأساة الأسرة في 11 ديسمبر 2014، عندما ألقت قوات الأمن بسلطة الانقلاب العسكرى، القبض على إسلام صبري عبد الحميد حجر، الطالب بالفرقة الثانية في كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، فرع الزقازيق، أثناء توجهه إلى كليته، بحسب توثيق حقوقي استند إلى شهادة والدته.
كان إسلام في تلك الفترة طالبًا جامعيًا، يسعى إلى استكمال دراسته، قبل أن تتغير حياته بصورة جذرية عقب القبض عليه.
ووفقًا لرواية الأسرة، لم تتمكن من معرفة مكان احتجازه عقب القبض عليه، رغم بحثها عنه في أقسام الشرطة وتقديم بلاغات رسمية للاستفسار عن مصيره.
وتقول التوثيقات الحقوقية: "إن الأسرة عاشت خلال تلك الفترة حالة من القلق الشديد، في ظل غياب المعلومات عن مكان وجوده أو وضعه القانوني".
وفي يناير 2015، وثق مرصد «طلاب حرية» مرور 37 يومًا على اختفاء إسلام، بحسب ما أورده التقرير الحقوقي.
وتثير هذه الرواية تساؤلات بشأن مدى الالتزام بالضمانات القانونية المتعلقة بإبلاغ المحتجزين بأسباب القبض عليهم، وتمكين أسرهم ومحاميهم من معرفة أماكن احتجازهم والتواصل معهم.
محمد حجر.. الاعتقال من داخل لجنة الامتحانات
لم تكن أسرة حجر قد تجاوزت صدمة اعتقال إسلام، حتى تعرضت لمحنة جديدة بعد أقل من خمسة أشهر.
ففي 4 مايو 2015، ألقت قوات الأمن القبض على شقيقه محمد صبري حجر، أثناء وجوده داخل لجنة امتحانات بمعهد سالم مشهور الثانوي الأزهري، في قرية السعديين التابعة لمركز منيا القمح بمحافظة الشرقية، وفقًا لما وثقته المنظمة الحقوقية.
وبذلك وجدت الأسرة نفسها أمام واقع أكثر قسوة، بعدما أصبح اثنان من أبنائها رهن الاحتجاز خلال فترة زمنية قصيرة.
وتكشف ظروف القبض على الشقيقين، بحسب الرواية الحقوقية، عن تحول مفاجئ في حياتهما التعليمية والأسرية؛ فالأول اعتُقل أثناء توجهه إلى الجامعة، والثاني من داخل لجنة امتحانات.
ومع مرور السنوات، استمر احتجاز محمد، دون أن تتضمن المعلومات التي نشرتها المنظمة تفاصيل كافية عن وضعه القضائي الحالي أو الأحكام الصادرة بحقه، إن وجدت.
ولهذا طالبت المنظمة بالكشف عن مركزه القانوني، ومراجعة أسباب استمرار احتجازه، وضمان تمتعه بجميع حقوقه القانونية والإنسانية.
حكم بالإعدام.. فصل جديد من مأساة الأسرة
ازدادت مأساة أسرة حجر تعقيدًا في 25 ديسمبر 2019، عندما أصدرت دائرة الإرهاب بمحافظة الشرقية حكمًا بإعدام إسلام صبري حجر، في القضية رقم 60478 لسنة 2014 جنايات منيا القمح.
وبعد سنوات من الإجراءات القضائية، أيدت محكمة النقض الحكم في 7 فبراير 2023، ليصبح نهائيًا وفق المعلومات التي أوردتها منظمة «هيومن رايتس إيجيبت».
ومع تأييد الحكم، انتقلت مخاوف الأسرة إلى مستوى أكثر خطورة، إذ لم تعد معاناتها مقتصرة على استمرار احتجاز إسلام، وإنما باتت تواجه احتمال تنفيذ عقوبة الإعدام بحقه.
ولا تتضمن المادة الحقوقية المتاحة تفاصيل الاتهامات المنسوبة إلى إسلام أو أدلة القضية أو دفوع الدفاع، وهو ما يجعل تقييم سلامة إجراءات المحاكمة وأسباب الحكم بحاجة إلى الاطلاع على أوراق القضية والأحكام القضائية.
غير أن المنظمة الحقوقية شددت على ضرورة احترام الحق في الحياة، وضمان استيفاء جميع معايير المحاكمة العادلة، خصوصًا في القضايا التي تنتهي بأحكام بالإعدام.
أم تنتظر ابنيها.. أكثر من عقد من الغياب
خلف التواريخ وأرقام القضايا والأحكام القضائية، تقف مأساة إنسانية لأسرة فقدت وجود اثنين من أبنائها في حياتها اليومية لأكثر من عقد.
فمنذ ديسمبر 2014، تعيش والدة إسلام ومحمد حجر انتظارًا طويلًا، بدأ بالبحث عن ابنها الأكبر عقب القبض عليه، ثم تضاعف بعد اعتقال شقيقه بعد أشهر قليلة.
ومع مرور السنوات، أصبح غياب الشقيقين واقعًا مستمرًا، بينما تحولت المناسبات العائلية والأعياد واللحظات اليومية إلى تذكير بغيابهما.
وتزداد قسوة هذا الواقع مع وجود حكم نهائي بالإعدام بحق إسلام، بما يضيف إلى مشاعر الانتظار خوفًا دائمًا على حياته.
وتسلط هذه القضية الضوء على الأثر الممتد للاحتجاز طويل الأمد على أسر المحتجزين، إذ لا تقتصر تداعياته على الشخص المحبوس، وإنما تشمل والديه وأشقاءه وأقاربه، الذين يواجهون أعباء نفسية واجتماعية قد تستمر سنوات.
وفي حالة أسرة حجر، يتضاعف هذا العبء بسبب احتجاز شقيقين في الوقت نفسه، ووجود حكم بالإعدام بحق أحدهما.
منظمة حقوقية تطالب بوقف تنفيذ الإعدام
أعربت منظمة «هيومن رايتس إيجيبت» عن قلقها البالغ إزاء استمرار احتجاز إسلام ومحمد صبري حجر، وما تتعرض له أسرتهما من معاناة إنسانية ممتدة.
وطالبت المنظمة بوقف تنفيذ حكم الإعدام الصادر بحق إسلام، وإتاحة مراجعة قانونية تستوفي جميع ضمانات العدالة والمحاكمة المنصفة.
كما دعت إلى الكشف عن الوضع القضائي الحالي لشقيقه محمد، ومراجعة استمرار احتجازه، والتأكد من وجود أساس قانوني واضح لأي استمرار في سلب حريته.
وشددت على ضرورة ضمان حقوق الشقيقين القانونية والإنسانية، وتمكين أسرتهما من التواصل معهما، بما يتفق مع القواعد المنظمة لحقوق المحتجزين.
وتكتسب هذه المطالب أهمية خاصة في ظل طول مدة الاحتجاز، وما يترتب عليها من آثار إنسانية متراكمة، فضلًا عن الطبيعة غير القابلة للتراجع لعقوبة الإعدام بعد تنفيذها.
الحق في الحياة وضمانات المحاكمة العادلة
تثير قضية إسلام حجر نقاشًا حقوقيًا يتعلق بالضمانات الواجب توافرها في القضايا التي تصدر فيها أحكام بالإعدام.
فالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي انضمت إليه مصر، يكفل الحق في الحياة، ويضع قيودًا وضمانات مشددة على تطبيق عقوبة الإعدام في الدول التي لم تلغها.
كما يضمن الحق في المحاكمة العادلة، بما يشمل تمكين المتهم من الدفاع عن نفسه، والاستعانة بمحامٍ، ومراجعة الحكم وفق الإجراءات القانونية.
وتؤكد المعايير الدولية أهمية التدقيق الشديد في القضايا التي تنتهي بعقوبات لا يمكن التراجع عن آثارها، وفي مقدمتها الإعدام.
وفي هذا السياق، تركز مطالب المنظمة الحقوقية على وقف تنفيذ الحكم وإتاحة مراجعة قانونية تستوفي الضمانات اللازمة، دون أن تتضمن المعلومات المنشورة تفاصيل كافية للحكم على مدى تحقق هذه الضمانات في القضية.
أما بالنسبة إلى محمد حجر، فإن غياب التفاصيل المتعلقة بوضعه القضائي الحالي يبرز أهمية الإفصاح عن طبيعة الاتهامات أو الأحكام المرتبطة باحتجازه، ومدى استيفاء استمرار حبسه للشروط القانونية.
أسر المعتقلين.. معاناة لا تنتهي عند أبواب السجون
لا تنحصر تداعيات الاحتجاز طويل الأمد في السنوات التي يقضيها المحتجز خلف القضبان، بل تمتد إلى الحياة اليومية لأسرته.
فالأمهات والآباء يتحملون أعباء القلق المستمر، ومحاولات متابعة القضايا والإجراءات القانونية، إلى جانب التأثير النفسي الناتج عن غياب الأبناء لسنوات طويلة.
وتصبح هذه المعاناة أكثر حدة عندما تتعلق القضية بأكثر من فرد من الأسرة الواحدة، أو عندما يكون أحد المحتجزين محكومًا عليه بالإعدام.
وتقدم مأساة الشقيقين حجر مثالًا على هذا النوع من المعاناة الممتدة، حيث تعيش الأسرة منذ أكثر من أحد عشر عامًا بين متابعة المصير القضائي لابنيها ومحاولة الحفاظ على الأمل في عودتهما.
كما تطرح القضية تساؤلات أوسع حول الحاجة إلى مراجعة أوضاع المحتجزين الذين أمضوا سنوات طويلة في السجون، وضمان وضوح مراكزهم القانونية، واحترام حقوقهم في التواصل مع أسرهم والحصول على الرعاية اللازمة.
أحد عشر عامًا من الانتظار.. ومصير أسرة معلق
مع اقتراب مرور اثني عشر عامًا على اعتقال إسلام حجر، وأكثر من أحد عشر عامًا على اعتقال شقيقه محمد، لا تزال الأسرة تواجه المأساة نفسها التي بدأت في ديسمبر 2014 وتضاعفت في مايو 2015.
فإسلام، الذي كان طالبًا في كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، يواجه اليوم حكمًا نهائيًا بالإعدام، بينما لا يزال شقيقه محمد رهن الاحتجاز وسط مطالبات بالكشف عن وضعه القضائي ومراجعة استمرار حبسه.
وتبقى الأم في قلب هذه المأساة، تنتظر عودة ابنيها، وتعيش مخاوف متجددة بشأن مصير أحدهما.
إن قضية الشقيقين إسلام ومحمد حجر ليست مجرد ملف قضائي امتد لسنوات، وإنما مأساة إنسانية لأسرة عاشت أكثر من عقد بين الغياب والخوف والانتظار.
وتؤكد المطالبات الحقوقية أن حماية الحق في الحياة وضمان المحاكمة العادلة ووضوح الأوضاع القانونية للمحتجزين تمثل التزامات أساسية لا ينبغي أن تتراجع أمام طول مدة الاحتجاز أو نهائية الأحكام.
وبين حكم إعدام يهدد حياة إسلام، واستمرار احتجاز محمد، يبقى السؤال الإنساني الأكثر إلحاحًا: إلى متى تظل هذه الأسرة معلقة بين الخوف على حياة أحد ابنيها وانتظار عودة الآخر؟