تكشف التصريحات والتحركات الإعلامية الأخيرة بشأن مستقبل الحكم في مصر عن عودة مبكرة لملف تعديل الدستور أو استبداله، بالتزامن مع اقتراب ما يسمى "انتخابات رئاسية" لعام 2030، رغم تأكيدات المنقلب عبد الفتاح السيسي المتكررة عدم رغبته في المساس بالدستور وانتهاء ولايته وفقاً للإطار الدستوري القائم، اللافت أن النقاش لم يبدأ بمبادرة سياسية أو حوار وطني حول مستقبل الدولة، وإنما ظهر من خلال دعوات إعلامية متفرقة تطالب باستمرار السيسي، وتطرح الدستور الجديد باعتباره منفذاً يسمح له بمواصلة الحكم.
"دستور جديد من أجل استمرار السيسي"
وأثار الذراع الإعلامي و"نائب" برلمان العسكر مصطفى بكري جدلاً واسعاً بدعوته إلى كتابة دستور جديد لمصر بدلاً من تعديل الدستور الحالي، رابطاً هذه الدعوة بإمكانية استمرار عبد الفتاح السيسي في الحكم بعد عام 2030، وقال بكري: «أنا عايز منفذ دستوري وقانوني علشان (…) عبد الفتاح السيسي يكمّل حتى لو (…) عبدالفتاح السيسي مش عايز»، مضيفاً: «أي وسيلة تخلي الرجل موجود يكمل مشروعه الوطني أنا معاها».
وذهب بكري إلى القول: «أنا بقترح إن إحنا لازم نعمل دستور جديد لمصر، منعدلش، تعديل لأ»، معتبراً أن وضع دستور جديد يتيح للسيسي ولأي مواطن آخر الترشح للانتخابات، كما قال: «أنا كمواطن ينتمي لهذا البلد بقول له كمّل المسيرة يا ريس، وشوف مخرجًا مقبولًا وجماهيريًا ودستوريًا».
وتثير هذه التصريحات تساؤلات حول الجهة التي يفترض أن تتبنى الدعوة إلى دستور جديد، وما إذا كان الهدف منها إعادة صياغة العقد الاجتماعي والسياسي للدولة، أم توفير مخرج دستوري لاستمرار عبدالفتاح السيسي الحالي، كما أن بكري، رغم صفته البرلمانية، أوضح أن ما يطرحه اقتراحا شخصيا وليس تحركاً برلمانياً رسمياً.
عمرو أديب: السيسي أعلن عدم رغبته في الاستمرار.. فلماذا تغيير الدستور؟
في المقابل، واجه الذراع الإعلامي عمرو أديب دعوة بكري بالتساؤل عن مبررات تغيير الدستور، في ظل تأكيد عبدالفتاح السيسي المتكرر عدم نيته المساس به أو الاستمرار في الحكم بعد انتهاء ولايته. وقال مخاطباً بكري: « (…) عبدالفتاح السيسي مش عايز.. هتغير الدستور ليه؟»، متسائلاً عن جدوى تغيير الوثيقة الدستورية بالكامل، بينما أعلن صاحب المنصب نفسه موقفاً واضحاً من انتهاء ولايته.
ويعكس هذا السجال تناقضاً بين الخطاب من السيسي المعلنة بشأن "احترام" الدستور، وبين دعوات الأذرع الإعلامية تتحدث عن ضرورة إيجاد منفذ دستوري لاستمرار عبدالفتاح السيسي، كما يطرح سؤالاً حول ما إذا كانت الدعوة إلى الدستور الجديد تعبر عن رغبة شعبية حقيقية، أم أنها محاولة لاستباق الاستحقاق الرئاسي وإعادة فتح ملف مدد الرئاسة من خارج المبادرات السياسية والمؤسسية المعروفة.
دستور جديد؟ عبدالفتاح السيسي أم الشعب؟
من جانبه، طرح الأكاديمي د.محمد الشريف تساؤلات بشأن دعوة بكري، متسائلاً عن الجهة التي يخاطبها تحديداً، وهل يدعو عبدالفتاح السيسي الذي أعلن عدم المساس بالدستور، أم يدعو الشعب إلى المطالبة بوضع دستور جديد استناداً إلى المادة الرابعة من الدستور.
وقال د.محمد الشريف (@MhdElsherif) "إن عبدالفتاح السيسي لا يملك منفرداً إلغاء الدستور الذي يستمد منه شرعيته ووجوده في المنصب، معتبراً أن إلغاءه بقرار فردي يمثل انقلاباً على الشرعية الدستورية"، وطرح فكرة الرجوع إلى الشعب بشأن مبدأ وضع دستور جديد، ثم صياغة الوثيقة الجديدة وعرضها على استفتاء عام.
وتستدعي هذه الرؤية التمييز بين سلطة الشعب التأسيسية وبين صلاحيات المؤسسات الدستورية القائمة، كما تستدعي مراجعة الإجراءات القانونية اللازمة لتغيير الدستور، إذ لا يكفي الاستناد إلى أن الشعب مصدر السلطات لإثبات أن ل"السيسي" صلاحية منفردة لإلغاء الدستور القائم أو تجاوز الإجراءات التي ينظمها.
تقاسم الأدوار داخل الحاشية
يرى الباحث والحقوقي باهي الدين حسن (@BaheyHassan) أن التحركات الداعية إلى استمرار السيسي وتعديل الدستور قد تعكس مبكراً صراعاً محتملاً داخل دوائر السلطة بشأن مستقبل الحكم وترتيبات ما بعد 2030، وفي منشور له بتاريخ 31 أكتوبر، كتب أن «اللعبة التقليدية لتقاسم الأدوار بين الحاكم وحاشيته في النظام السلطاني المملوكي اليوليوي في مصر بدأت مبكرا، رغم أن ٤ سنوات مازالت تفصلنا عن ٢٠٣٠».
وأضاف أن من تحركوا لمناشدة السيسي الاستمرار في الحكم وتعديل الدستور ينتمون، بحسب قراءته، إلى جهاز الأمن الوطني، معتبراً أن ذلك يكرر مشهد اصطفاف العام الأخير من حكم حسني مبارك. وفي المقابل، تحدث عن قسم آخر من الحاشية يبدو أكثر اهتماماً بإلزام السيسي بوعده، وبمسألة من يرثه من داخل الدائرة المحيطة بالسلطة.
ويطرح حسن احتمال أن يكون وراء هذه التحركات صراع داخلي شخصي، لا خلاف حقيقي حول استمرار الحكم بالمنطق السياسي والاقتصادي نفسه، ويذهب إلى أن حسم هذه المناورة ربما يحدث مبكراً قبل عام 2030، وتظل هذه القراءة تحليلاً سياسياً لصاحبها، ولا تمثل بمفردها دليلاً مستقلاً على وجود تنسيق بين المتحدثين أو انتمائهم المؤسسي إلى جهاز بعينه.
في غياب تداول السلطة
وفي منشور آخر، يذهب حسن إلى أن أزمة الحكم في مصر تتجاوز مسألة تعديل النصوص الدستورية، قائلاً: «القانون الوحيد الذي لم يتغير منذ ٢٣ يوليو ١٩٥٢ هو عدم احترام الدستور والقانون: لا دستور دائم، الدوام فقط ل"السيسي" بصرف النظر عما ينص عليه أي دستور».
ويستعرض حسن تجارب انتقال السلطة في مصر، مشيراً إلى وفاة جمال عبد الناصر، واغتيال أنور السادات، والانتفاضة الشعبية التي أنهت حكم حسني مبارك، والانقلاب العسكري الذي أطاح بمحمد مرسي. ويخلص إلى أن من يريدون إزاحة السيسي عليهم البحث عن حل خارج الدستور المكتوب.
وذلك في تشكيك في قدرة النظام السياسي على إنتاج تداول حقيقي للسلطة من خلال النصوص الدستورية وحدها، وتعيد النقاش إلى طبيعة المؤسسات السياسية ومدى استقلالها وقدرتها على ضمان المنافسة وتداول الحكم.
تقييد ترشح المدنيين وتعزيز نفوذ المؤسسة العسكرية
وفي منشور سابق في 19 أكتوبر، تناول حسن ما وصفه بمحاولة تعزيز هيمنة المؤسسة العسكرية على الحكم من خلال منح المجلس الأعلى للقوات المسلحة سلطات إضافية تتعلق بترشح المدنيين والعسكريين السابقين لرئاسة الجمهورية.
وربط بين اشتراط موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة لترشح العسكريين، وبين ما اعتبره اتجاهاً لإخضاع المرشحين المدنيين أيضاً لمصفاة الأكاديمية العسكرية، قائلاً إن اشتراط مرور المدنيين بها «يضع ترشح المدنيين أيضا في قبضة ذات المجلس».
كما انتقد اشتراط الحصول على الدكتوراه، معتبراً أن القضية تتجاوز المؤهلات العلمية إلى طبيعة الجهة التي تملك التحكم في شروط المنافسة الرئاسية، وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في سياق النقاش حول 2030، لأن السؤال لا يتعلق فقط بمن سيخلف عبدالفتاح السيسي، وإنما أيضاً بمن يمتلك حق المنافسة على المنصب، وما إذا كانت الانتخابات ستتيح فرصة حقيقية لتداول السلطة.
انفراد الصوت الواحد بتقرير المستقبل
ونشرت منصة "الموقف المصري" (@AlmasryAlmawkef) مادة للدكتور خالد فهمي، المؤرخ والأكاديمي، تحت عنوان «لأنه لا يجب أن يسمع عبدالفتاح السيسي صدى صوته فقط»، تناول فيها تصريحات السيسي المتكررة بشأن عدم المساس بالدستور وانتهاء مدة حكمه في 2030.
ووفقاً لتقديم الموقف المصري للفيديو، يحاول فهمي قراءة ما وراء الخطاب الرئاسي، وسياسات المؤسسات الأمنية والحملات القمعية، وشكل الدولة المصرية الذي تقود إليه هذه السياسات، كما يعيد التذكير بمخاطر انفراد الصوت الواحد بتقرير الحاضر والمستقبل، مستنداً إلى خبرته في التاريخ والسياسة المصرية الحديثة.
وتتجاوز أهمية هذه القراءة مسألة بقاء عبدالفتاح السيسي أو رحيله، لتطرح قضية أوسع تتعلق بحق المجتمع في المشاركة في تحديد مستقبل الدولة، وعدم اختزال الإرادة الوطنية في خطاب السلطة أو في الأصوات الإعلامية المحيطة بها.
من يريد تعديل الدستور ..؟
تكشف هذه التصريحات عن ثلاثة اتجاهات سياسية متباينة. الاتجاه الأول يدعو إلى دستور جديد، ويظهر بوضوح في طرح مصطفى بكري الذي ربط صياغة دستور جديد بإمكانية استمرار السيسي، والاتجاه الثاني يرى أن تعديل الدستور الحالي هو الطريق المناسب لإعادة ترتيب قواعد الحكم ومدد الرئاسة، أما الاتجاه الثالث فيتمسك باحترام الدستور وانتهاء الولاية في 2030، وفتح المجال أمام رئيس جديد وبرنامج سياسي واقتصادي مختلف.
لكن ما يغيب عن هذا السجال هو وجود آلية حرة وموثوقة تسمح للمصريين بالتعبير عن رغباتهم الحقيقية، فليس من حق إعلامي أو نائب أو مجموعة من المقربين من السلطة أن يتحدثوا باسم الشعب ويقرروا نيابة عنه ما إذا كان يريد استمرار عبدالفتاح السيسي أو تغيير الدستور أو انتخاب رئيس جديد.
وإذا كان الشعب هو مصدر السلطات، فلماذا لا يجري الاستماع إليه بصورة حقيقية؟ ولماذا لا يتحول النقاش من مناشدات إعلامية ومقترحات لاستمرار عبد الفتاح السيسي إلى حوار وطني حر بشأن الدستور وشكل الدولة وتداول السلطة ومستقبل البلاد؟
ممكن تقعدوا مع الشعب لتحرير استمارة رغبات؟ بحسب "سليم عزوز" هل يريد دستوراً جديداً، أم تعديل الدستور الحالي، أم احترام الدستور وانتهاء ولاية السيسي في 2030، أم رئيساً جديداً يتبنى برنامجاً مدروساً لإنقاذ مصر اقتصادياً وسياسياً؟ ولماذا يفترض البعض مسبقاً أن رغبة الشعب هي استمرار عبد الفتاح السيسي، قبل أن يُسمح للشعب أصلاً بالتعبير عن رأيه؟