تبرع بـ”جائزة غاندي للسلام” للهلال الأحمر.. الانقلابي “قيس” يحول فعل “الغنوشي” الإنساني إلى سجن إضافي!

- ‎فيعربي ودولي

أصدرت الدائرة الجناحية بمحكمة الاستئناف بتونس حكماً نهائياً يقضي بسجن المفكر والسياسي راشد الغنوشي (85 عاماً) لمدة ثلاث سنوات مع تسليط خطية (غرامة) مالية. وجاء هذا الحكم على خلفية تبرعه بقيمة "الجائزة الدولية لنشر المبادئ الغاندية للسلام والتسامح" —التي حصل عليها في عام 2016— لفائدة منظمة الهلال الأحمر التونسي، حيث كيفّت السلطات القضائية الواقعة كملف "تهرب ضريبي وتصرف غير قانوني في العملة".

وشهدت الساحة القضائية والسياسية في تونس تطوراً مثيراً للجدل، يعكس -بحسب مراقبين حقوقيين- مدى توظيف الجهاز القضائي لتصفية الخصوم السياسيين في عهد الرئيس قيس سعيد. وجاء الحكم الاستئنافي الصادر بحق رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان المنحل، راشد الغنوشي، ليعيد فتح النقاش حول تسييس العدالة وتحويل العمل الإنساني والمدني إلى جرائم قانونية ملاحقة.
 

ونشرت الصفحة الرسمية للأستاذ راشد الغنوشي على منصة "إكس" تعليقاً وتوضيحاً صادراً عن هيئة الدفاع يقول فيه "الحمد لله" ويندد بالقرار ويعلن تفاصيله للرأي العام:

 

https://x.com/R_Ghannouchi/status/2076720870215577682

 

ثغرات إجرائية

وأشارت هيئة الدفاع عن الغنوشي إلى وجود خروقات قانونية وإجرائية شابت المحاكمة، مؤكدة أن الملف لا يعدو كونَه ملاحقة سياسية مغلفة بغطاء جنائي من حيث سقوط الدعوى بالتقادم واعتبرت الهيئة أن الدعوى منقضية قانونياً بمرور أكثر من 8 سنوات على استلام الجائزة والتبرع بها (2016 – 2024).

كما انتقدت الحرمان من حق الدفاع بعدما صدرت الأحكام في جلسات سريعة وخاطفة دون تمكين لسان الدفاع من تقديم الترافع الشفهي أو الدفوع القانونية الكافية.

ويقبع الغنوشي في السجن منذ أبريل 2023 على ذمة قضايا أخرى (منها تهم بـ "التحريض على أمن الدولة")، وهو يقاطع حضور جلسات المحاكمة لاعتباره المنظومة القضائية الحالية "أداة مسيسة فاقدة للاستقلالية".

وتتراكم الأحكام في القضية ذاتها حيث صدر الحكم الأول قبل أقل من أربعة أشهر ويقضي بسجن الغنوشي لمدة عامين في القضية نفسها.

وأضاف الحكم الثاني (الاستئنافي) ثلاث سنوات أخرى، ليرتفع مجموع العقوبات المرتبطة بالجائزة ذاتها إلى خمس سنوات سجناً، على الرغم من وحدة الوقائع التاريخية.

 

تهافت تهم الفساد وأكاذيب الـ "2400 مليار"

في سياق متصل بأساليب تشويه الخصوم سياسياً وإعلامياً، برزت شهادات صحفية تونسية تفكك زيف الادعاءات التي طالت ثروة الغنوشي طوال السنوات الماضية.

حيث أشارت الصحفية التونسية خولة بوكريم  @khaoulaboukrim وقالت في تدوينات لها عن التهافت المهني لبعض وسائل الإعلام المحلية (التي وصفتها بـ"الأبواق الرخيصة"): "الخرقة التي قالت يوماً ما ولم تحاسب حتى ببيان أو لفت نظر نقابي، إن راشد الغنوشي يملك 2400 مليار، عجزت دون أن تثبت ذلك صحفياً ومهنياً وقانونياً… المعلومات يجب إثباتها بعكس الرأي، وهذه هي أخلاقيات الصحافة".

ويؤكد هذا الطرح الحقوقي أن الاتهامات الموجهة للرجل بامتلاك ثروات فلكية كانت مجرد "بروباجندا" وشائعات كاذبة لتعبئة الشارع، وحين عجز خصومه عن إثبات أي فساد مالي حقيقي بحقه، تم اللجوء إلى محاكمته بتهمة تبرعه بجائزة دولية للسلام لصالح جمعية إغاثية تونسية معترف بها (الهلال الأحمر).

 

"العدالة" كأداة انتقام

أثار الحكم موجة غضب عارمة في الوسطين الحقوقي والسياسي داخل تونس وخارجها، حيث اعتبر الكاتب والمحلل السياسي ياسر الزعاترة أن القضية تُعبر عن استهداف شخصي وتصفية حسابات.

وأشار الزعاترة إلى أن هذا الحكم هو السادس تقريباً ضد الغنوشي، حيث تجاوزت أحكامه الإجمالية مئة عام سجناً بالإضافة إلى الحكم المؤبد، واصفاً ما يحدث بأنه "عبث يُعبر عن حقد السلطة على رجل ذي تاريخ عريق في مقارعة الديكتاتورية".

ومن جانبها أعربت منظمة عدالة لحقوق الإنسان عن بالغ قلقها إزاء هذا الحكم، مؤكدة في بيان لها: "إن توقيع عقوبة سالبة للحرية بسبب واقعة تتعلق بالتصرف في جائزة خُصصت لصالح منظمة إنسانية يثير تساؤلات قانونية وجوهرية حول مبدأ الشرعية الجنائية وتناسب العقوبة مع الفعل. يجب ألا تُستخدم العدالة الجنائية لتجريم العمل المدني والإنساني".

 

الميثاق الوطني للانتقال الديمقراطي

وتزامن الحكم والتصعيد "القضائي" في ظل أزمة سياسية واقتصادية خانقة تعيشها تونس منذ إجراءات يوليو 2021 التي اتخذها قيس سعيد، وقوضت النظام الدستوري والبرلماني لصالح حكم الفرد الواحد بالمرسوم والوعيد.

وفي خطوة سياسية جديدة تهدف إلى كسر هذا الجمود وتجاوز الأزمة الخانقة التي تمر بها البلاد، أعلن رياض الشعيبي (المستشار السياسي لرئيس حركة النهضة راشد الغنوشي) عن طرح مبادرة سياسية تهدف إلى صياغة:"ميثاق وطني للانتقال الديمقراطي في تونس".

وجاء إعلان الشعيبي ليعيد صياغة الأسئلة الجوهرية التي تشغل الشارع التونسي والنخب الفكرية؛ حيث أكد بوضوح أن التساؤل الحقيقي والملحّ اليوم لم يعد يدور حول كيفية إنهاء المرحلة السلطوية الراهنة وحسب، بل يتجاوز ذلك إلى ما هو أعمق وأشمل لبناء بديل حقيقي.

وأوضح الشعيبي بالتفصيل أن تجارب السنوات الماضية المريرة والمرتبكة أثبتت بالدليل القاطع والبرهان الملموس أن مجرد إسقاط سلطة قائمة، أو استبدال رئيس بآخر، أو الارتكاز على تغيير الوجوه الحاكمة لا يمثل في حد ذاته ضمانة كافية أو صمام أمان لتحقيق التغيير الفعلي والمنشود الذي يطمح إليه الشعب التونسي التواق للحرية والعدالة الاجتماعية.

لذلك، تركز المبادرة التي يطرحها الشعيبي على صياغة ميثاق وطني متكامل وشامل يضع أسساً وقواعد متينة للتعايش والشراكة الوطنية الحقيقية، والاتفاق على شكل الدولة وإدارة الاختلاف بما يمنع تفرد أي فصيل بالسلطة مستقبلاً، ويوصد الباب نهائياً أمام المغامرات الانقلابية الفردية.

وتسعى هذه المبادرة لبناء جسور تواصل جديدة وتحقيق توافق وطني واسع يتجاوز الحسابات والأيديولوجيات الحزبية الضيقة، في وقت يواجه فيه العمل الحزبي والمدني تضييقاً وملاحقات مستمرة، مما يضع تونس أمام خيارات مصيرية لاستعادة مسارها الديمقراطي التوافق وتجاوز حقبة التغول الفردي التي تلتهم مقدرات البلاد الاقتصادية والاجتماعية.