لم يعد الاندفاع المتزايد للمصريين نحو الذهب والفضة مجرد انعكاس لموجة صعود عالمية في أسعار المعادن النفيسة، بقدر ما أصبح تعبيرًا صريحًا عن انعدام الثقة في النظام الاقتصادي الذي يديره عبد الفتاح السيسي، بعدما جرى تفريغ الجنيه من قيمته، وترك المواطنين في مواجهة مباشرة مع تضخم جامح وغلاء متواصل، لا تخفف منه حتى فترات تراجع سعر الدولار.
ففي اقتصادٍ يعاني منذ سنوات من تآكل العملة المحلية، وتراجع الدخول الحقيقية، وارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية، تحوّل الذهب والفضة من أدوات زينة وادخار تقليدية إلى ملاذ اضطراري للأسر المصرية، في محاولة يائسة لحماية ما تبقى من مدخراتها، وسط مخاوف متصاعدة من إفلاس فعلي للدولة، أو مزيد من الانهيارات النقدية التي يدفع ثمنها المواطن وحده.
أسعار قياسية تكشف عمق الأزمة
وجاءت القفزات الأخيرة في أسعار الذهب لتسلّط الضوء على عمق الأزمة، إذ تجاوز سعر أونصة الذهب عالميًا مستوى 5100 دولار، قبل أن يستقر عند 5086 دولارًا، بما يعادل نحو 241 ألفًا و336 جنيهًا، في رقم يعكس ليس فقط ارتفاع السعر العالمي، بل الانحدار الحاد في قيمة الجنيه.
وانعكست هذه القفزات على السوق المحلية، حيث سجّل سعر غرام الذهب عيار 21 نحو 6790 جنيهًا، وعيار 24 قرابة 7760 جنيهًا، وعيار 18 حوالي 5820 جنيهًا، فيما بلغ سعر كيلو الذهب نحو 7 ملايين و760 ألف جنيه، وسجل الجنيه الذهب أكثر من 45 ألف جنيه، رغم تراجع الدولار رسميًا إلى مستوى 47 جنيهًا، في مفارقة تكشف انفصال الأسعار عن أي منطق اقتصادي، وصعود ما يُعرف بـ"دولار الصاغة" فوق السعر البنكي.
أما الفضة، التي باتت خيارًا بديلاً لشرائح واسعة من محدودي الدخل، فقد شهدت بدورها قفزات حادة، مع وصول سعر الأونصة عالميًا إلى 107 دولارات، وارتفاع سعر الغرام محليًا إلى نحو 180 جنيهًا للشراء و185 جنيهًا للبيع، في أقل من يومين، بينما بلغ سعر كيلو الفضة نحو 188 ألف جنيه.
تآكل القوة الشرائية وانكسار التقاليد
هذه الأرقام لم تكن بلا ثمن اجتماعي، إذ كشفت عن تآكل غير مسبوق في القوة الشرائية، خاصة بين الشباب المقبلين على الزواج، الذين باتوا عاجزين عن مجاراة الأسعار، ما أدى إلى تغيّر جذري في أنماط الشراء داخل سوق الصاغة.
وأقرت شعبة الذهب بالغرفة التجارية بأن السوق لا يعاني نقصًا في المعروض، رغم القيود الحكومية على الاستيراد، لكنها أقرت بوجود اختلال صارخ بين الأسعار والدخول، حيث تجاوزت الأسعار قدرة الغالبية العظمى من المستهلكين، ما دفعهم إلى العزوف عن المشغولات الثقيلة، والاتجاه نحو السبائك والجنيهات الذهبية أو القطع خفيفة الوزن منخفضة المصنعية.
وفي سوق الصاغة بوسط القاهرة، عدّل المصنعون خطوط إنتاجهم قسرًا، متجهين إلى مشغولات لا يتجاوز وزن القطعة الواحدة منها 10 غرامات، بعد انهيار الطلب على الأطقم الثقيلة، في مشهد يعكس كيف أجبرت الأزمة الاقتصادية المجتمع على إعادة تعريف مفاهيم الزينة والادخار وحتى الزواج.
الفضة بديل الفقراء في زمن الغلاء
ومع وصول الذهب إلى مستويات باتت شبه مستحيلة لغالبية الأسر، برزت الفضة بوصفها خيارًا اضطراريًا للادخار محدود القيمة، أو لهدايا المناسبات، رغم إدراك المستهلكين لتقلباتها الحادة، وعدم تمتعها بالمكانة الاجتماعية نفسها التي يحظى بها الذهب.
ويرى متعاملون في السوق أن الإقبال المتزايد على سبائك الفضة والمشغولات الثقيلة منها يعكس انسداد الأفق أمام الطبقات المتوسطة والفقيرة، التي لم يعد أمامها سوى البحث عن أي أصل قابل للتسييل مستقبلًا، بأقل خسائر ممكنة، في ظل غياب أي سياسات تحمي قيمة العملة أو الدخول.
أزمة ثقة لا أزمة معادن
في جوهره، لا يعكس هذا المشهد أزمة في الذهب أو الفضة، بل أزمة ثقة شاملة في إدارة الاقتصاد، حيث فشلت السلطة في كبح التضخم، أو تثبيت العملة، أو تحقيق حد أدنى من الاستقرار السعري، ما دفع المواطنين إلى الهروب الجماعي من الجنيه، مهما تراجع الدولار رسميًا.
ويشير خبراء إلى أن استمرار الاضطرابات العالمية، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، وتوجه البنوك المركزية إلى تقليص الاعتماد على الدولار، كلها عوامل تعزز الاتجاه الصعودي للذهب والفضة عالميًا، لكن أثرها في مصر يتضاعف بفعل السياسات المحلية، التي حمّلت المواطن وحده كلفة الانهيار.
وفي ظل تقديرات متشائمة بإمكانية وصول أونصة الذهب إلى مستويات قياسية على المدى البعيد، يبقى السؤال مفتوحًا: إلى متى يظل الذهب والفضة خط الدفاع الأخير للمصريين، في مواجهة اقتصاد يترنح تحت حكم عسكري فقد ثقة شعبه؟
