ترحيل طلاب الأزهر واللاجئين يكشف ثمن محاربة الدين وتسييس المؤسسة الدينية

- ‎فيتقارير

تشهد مصر خلال الأشهر الأخيرة تصعيدًا أمنيًا غير مسبوق طال اللاجئين وطالبي اللجوء، بالتوازي مع استهداف طلاب وافدين يدرسون في الأزهر، في مشهد يعكس انحسار الدور التاريخي للمؤسسة الدينية الأعرق في العالم الإسلامي، وتحولها إلى كيان منزوع التأثير، عاجز عن حماية طلابه أو أداء رسالته العلمية، في ظل سياسات الدولة التي تحاصر الدين وتضعه تحت الهيمنة الأمنية.

 

فبحسب بيانات وشهادات صادرة عن طلاب ومنظمات حقوقية محلية ودولية، لم تعد حملات التوقيف والترحيل تقتصر على فئات بعينها، بل امتدت إلى طلاب أزهريين نظاميين، قدموا إلى مصر طلبًا للعلم، إلى جانب لاجئين من جنسيات مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون، وسط توسّع لافت في الحملات الأمنية وتشديد الإجراءات الإدارية المرتبطة بالإقامة.

 

ونشر الطالب الأزهري عرفات حسين بيانًا باسم طلاب الأزهر الوافدين، أكدوا فيه أنهم قصدوا مصر ثقة بتاريخ الأزهر ومكانته بوصفه قبلة للعلم الشرعي من مختلف أنحاء العالم الإسلامي. إلا أن هذا الإرث، وفق البيان، بات مهددًا، بعدما وجد طلاب نظاميون مسجلون رسميًا أنفسهم عرضة للتوقيف والاحتجاز، رغم عدم ارتكابهم أي مخالفات قانونية.

 

وأوضح البيان أن أزمة تجديد الإقامة الطالبية تحولت إلى أداة ضغط أمني، إذ تُسحب جوازات سفر الطلاب لفترات طويلة تتجاوز أحيانًا شهرين، ما يتركهم بلا وثيقة تثبت وضعهم القانوني، ويجعلهم عرضة للتوقيف في أي وقت. وأكد الطلاب أن هذا الواقع خلق حالة خوف دائم وانعدام أمان، ووضعهم في مأزق بين إجراء إداري إلزامي وخطر الاحتجاز.

 

ودعا الطلاب إلى وقف ما وصفوه بالاعتقالات العشوائية، وتوفير حماية قانونية خلال فترات تسليم الجوازات، مطالبين الأزهر الشريف بالتدخل بوصفه الجهة الأكاديمية الراعية. غير أن غياب أي تحرك فاعل من المؤسسة الدينية يعكس، بحسب مراقبين، حجم التراجع الذي أصاب استقلال الأزهر ودوره، في ظل خضوعه الكامل لسلطة الدولة وأجهزتها.

 

وفي السياق نفسه، قدّم الطالب الأزهري سميع الله سادات شهادة مصورة تحدث فيها عن معاناة متكررة مع إدارات الدراسة الخاصة، مؤكدًا أنه قدّم أوراق تجديد الإقامة أربع مرات، وفي كل مرة قيل له إن الأوراق فُقدت، دون أي حل عملي. وأضاف أن غياب الموظفين وسوء المعاملة باتا أمرًا معتادًا، وصولًا إلى التهديد بإخراج الطلاب من السكن عند مطالبتهم بحقوقهم.

 

وأشار سادات إلى أن عددًا من زملائه لا يزالون محتجزين منذ أشهر، بينما جرى ترحيل آخرين دون تسوية أوضاعهم، ما زاد من حالة القلق بين الطلاب الوافدين، وطرح تساؤلات جدية حول مصير رسالة الأزهر العالمية في ظل هذا المناخ.

 

ويأتي ذلك في وقت تؤكد فيه بيانات رسمية أن مصر من أكثر الدول استقبالًا للاجئين، إذ تجاوز عدد المسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مليونًا و98 ألف شخص حتى نهاية ديسمبر 2025، غالبيتهم من السودانيين والسوريين. غير أن هذا الخطاب الرسمي يتناقض مع ما توثقه تقارير حقوقية عن حملات احتجاز وترحيل واسعة.

 

وفي تقرير حديث لمنصة اللاجئين في مصر بعنوان "لا ملاذ آمن.. حملة أمنية غير مسبوقة ضد اللاجئين في مصر"، جرى توثيق تحول نوعي في تعامل السلطات مع اللاجئين خلال الفترة من ديسمبر 2025 إلى يناير 2026، تمثل في حملات ممنهجة شملت توقيفات واسعة واحتجازًا مطولًا ومسارات ترحيل قسري، استهدفت لاجئين مسجلين وطلابًا ونساءً وأطفالًا.

 

ووثّقت منظمات حقوقية مصرية ودولية ترحيل عشرات الآلاف من السودانيين، تحت مسمى "العودة الطوعية"، ما أثار مخاوف جدية بشأن انتهاك مبدأ عدم الإعادة القسرية، خاصة في ظل استمرار النزاع المسلح في السودان. كما أعربت منظمات أخرى عن قلقها من سياسة "ترحيل مقنّع" بحق اللاجئين السوريين، نتيجة تعقيد إجراءات الإقامة وترك الآلاف في فراغ قانوني تتحمل مسؤوليته السلطات.

 

وترى هذه المنظمات أن ما يجري لا يمكن فصله عن المناخ العام في مصر، حيث جرى إخضاع المؤسسات الدينية، وفي مقدمتها الأزهر، للسلطة التنفيذية، ما أفقدها القدرة على الدفاع عن طلابها أو لعب دورها التقليدي في حماية العلم والدعوة والوافدين. وهو ما يعكس، في المحصلة، تراجع مكانة الأزهر عالميًا، وتحوله من مرجعية إسلامية مستقلة إلى مؤسسة محاصَرة، تعمل داخل هوامش ضيقة رسمتها الدولة، في سياق أوسع لمحاربة الدين وتفريغه من مضمونه المجتمعي والإنساني.