مراجعة قانونية وتاريخية وتقنية تنتهي إلى غياب أي دليل رسمي على نقل جزء من الحدود أو التنازل عن أراضٍ لصالح السودان
عاد إلى الواجهة مؤخرًا ادعاء متداول يفيد بأن جماعة الإخوان المسلمين خلال فترة حكم الرئيس الشهيد الدكتور محمد مرسي حاولت "ترحيل الحدود المصرية السودانية بمقدار 250 مترًا لصالح السودان"، وذلك استنادًا إلى تصريحات أدلى بها اللواء جمال خليل حجازي، رئيس الهيئة العامة للموانئ البرية والجافة الأسبق، قال فيها: إنه "تعرض لاتهامات بالخيانة بسبب اعتراضه على هذا الإجراء".
وبحسب رصد وتحليل، لوحدة "تحقق " أكدت أنه بمراجعة الوثائق القانونية والمصادر التاريخية والتصريحات الرسمية، إضافة إلى تحليل صور الأقمار الصناعية، لا تظهر أي أدلة تثبت صدور قرار رسمي أو اتفاق قانوني أدى إلى تعديل الحدود السياسية بين مصر والسودان خلال فترة حكم الرئيس محمد مرسي.
لا قرارات رسمية ولا وثائق تثبت تغيير الحدود
استند التدقيق إلى أربعة محاور رئيسية للتحقق، شملت البحث عن أي قرار رسمي مصري أو سوداني بتعديل الحدود، أو اتفاقية جديدة لترسيمها، أو وثيقة تثبت نقل الحدود بمقدار 250 مترًا، أو ما إذا كانت القضية تتعلق أصلًا بالسيادة أم بإجراءات إدارية.
وخلصت المراجعة إلى عدم العثور على أي قرار جمهوري أو اتفاق ثنائي أو وثيقة قانونية منشورة تشير إلى حدوث تعديل في الحدود الدولية، أو نقل أي جزء من الأراضي المصرية إلى السودان خلال عامي 2012 أو 2013.
اتفاقية 1899.. الأساس القانوني للحدود
تؤكد الوثائق التاريخية أن الأساس القانوني للحدود المصرية السودانية يعود إلى اتفاق الحكم الثنائي المصري البريطاني عام 1899، الذي حدد الحدود السياسية عند خط عرض 22 درجة شمالًا، وهو الخط الذي تستند إليه مصر في موقفها القانوني بشأن منطقة حلايب وشلاتين.
ويعني ذلك أن أي تعديل في الحدود الدولية لا يمكن أن يتم بإجراءات إدارية أو تعليمات ميدانية، وإنما يتطلب اتفاقًا رسميًا بين الدولتين، ووثائق قانونية معلنة، وإجراءات دستورية وقانونية معتمدة، وهي أمور لم يثبت حدوث أي منها خلال فترة حكم الرئيس الشهيد محمد مرسي.
ترتيبات 1902 لا تعني نقل السيادة
أحد أبرز أسباب الالتباس يعود إلى ترتيبات إدارية صدرت عام 1902، عندما أسندت الإدارة المصرية في السودان إدارة بعض المناطق الحدودية إلى السلطات الموجودة في الخرطوم لأسباب تتعلق بطبيعة السكان والقبائل وسهولة الإدارة.
وتوضح الدراسة أن تلك الترتيبات لم تكن تعديلًا للحدود السياسية، ولم تنقل السيادة من مصر إلى السودان، وإنما اقتصرت على تنظيم الإدارة المحلية، بينما بقيت الحدود القانونية معتمدة على خط عرض 22 شمالًا.
ومن ثم، فإن الخلط بين الترتيبات الإدارية القديمة وبين الحدود السياسية، يمثل أحد الأسباب الرئيسية لانتشار الادعاءات المتعلقة بتغيير الحدود.
ماذا حدث خلال حكم الرئيس محمد مرسي؟
تشير المراجعة إلى أنه خلال عامي 2012 و2013 لم يصدر أي قرار رسمي يتعلق بتعديل الحدود المصرية السودانية، أو التنازل عن أي جزء من الأراضي المصرية.
وخلال زيارة الرئيس الشهيد محمد مرسي إلى السودان في أبريل 2013 عاد ملف حلايب وشلاتين إلى دائرة الجدل السياسي والإعلامي، وظهرت اتهامات بإمكانية طرح القضية خلال الزيارة، إلا أن الرئاسة المصرية نفت آنذاك وجود أي تعهد بالتنازل عن المنطقة، كما أكدت وزارة الخارجية المصرية أن موقف الدولة من حلايب وشلاتين لم يتغير وأن ثوابتها في هذا الملف ثابتة.
صور الأقمار الصناعية لا ترصد أي تغيير
اعتمدت الدراسة كذلك على أدوات المصادر المفتوحة وتحليل صور الأقمار الصناعية باستخدام برنامج Google Earth Pro.
وشملت المقارنة صورًا التقطت في أعوام 2010 و2012 و2021، مع مراجعة الإحداثيات الجغرافية للنقاط الحدودية نفسها.
وأظهرت نتائج المقارنة تطابق مواقع الحدود في الفترات الثلاث، دون رصد أي تحرك أو تعديل في مسار الحدود أو تغيير في خطوط الفصل الجغرافية، وهو ما يدعم عدم وجود تغيير ميداني في الحدود خلال تلك السنوات.
ادعاء "250 مترًا" بلا سند قانوني
بعد مراجعة الإطار القانوني المنظم للحدود بين مصر والسودان، خلص التدقيق إلى أن الادعاء المتعلق بـ"ترحيل الحدود 250 مترًا" لا يستند إلى وثيقة رسمية أو اتفاق قانوني منشور.
كما لم يثبت وجود اتفاقية جديدة بين البلدين، أو محضر رسمي لإعادة ترسيم الحدود، أو إعلان حكومي مصري أو سوداني بنقل جزء من الحدود الدولية.
وتشير الدراسة إلى أن الرواية تبدو مرتبطة بالجدل السياسي والإعلامي الذي صاحب ملف حلايب وشلاتين، أكثر من ارتباطها بإجراء قانوني فعلي.
تقييم التصريحات المتداولة
يفرق التدقيق بين ما تؤيده الوقائع وما لم يثبت بالأدلة، فمن الثابت وجود خلاف سياسي وإعلامي واسع بشأن ملف حلايب وشلاتين خلال فترة حكم الرئيس الراحل محمد مرسي، كما كانت هناك حساسية كبيرة تجاه أي تصريحات أو خرائط تتعلق بالحدود.
في المقابل، لم تثبت أي وثائق رسمية أن جماعة الإخوان المسلمين أو الحكومة المصرية آنذاك اتخذت إجراءات لترحيل الحدود بمقدار 250 مترًا، أو أصدرت قرارًا بتعديل الحدود السياسية أو التنازل عن أراضٍ لصالح السودان.
لماذا انتشرت الرواية؟
ترجح الدراسة أن انتشار هذه الرواية يعود إلى تداخل عدة عوامل، أبرزها النزاع التاريخي حول مثلث حلايب وشلاتين، والخلط بين الحدود السياسية والترتيبات الإدارية القديمة، إضافة إلى توظيف القضية في السجال السياسي والإعلامي خلال تلك المرحلة.
خلاصة التدقيق
ينتهي التدقيق إلى أن الادعاء القائل إن جماعة الإخوان المسلمين خلال فترة حكم الرئيس الراحل محمد مرسي، قامت بترحيل الحدود المصرية السودانية بمقدار 250 مترًا لصالح السودان، لا تدعمه أي وثائق رسمية أو اتفاقيات قانونية منشورة.
وتؤكد الأدلة المتاحة أن الحدود السياسية بين البلدين ظلت تستند إلى خط عرض 22 شمالًا، وأن ترتيبات عام 1902 كانت ذات طبيعة إدارية فقط ولم تمثل نقلًا للسيادة، كما لم يثبت صدور أي قرار رسمي خلال فترة حكم الرئيس الراحل محمد مرسي بتعديل الحدود أو التنازل عن أي جزء من الأراضي المصرية.