أطلق مفتي عام ليبيا، الشيخ د. الصادق الغرياني، تحذيرات شديدة اللهجة من المحاولات الجارية لفرض مبادرة "بولس" لتقاسم السلطة في ليبيا، واصفاً إياها بأنها "صفقة أمريكية صهيونية" تهدف لتمكين من عجز عن دخول العاصمة طرابلس بقوة السلاح، ورهن مقدرات البلاد لعقود قادمة.
جاءت تصريحات الغرياني خلال برنامج "الإسلام والحياة" المذاع اليوم الأربعاء، تعقيباً على الحراك السياسي الأخير واللقاءات التي عقدها صدام حفتر في العاصمة الأمريكية واشنطن.
واعتبر الغرياني أن نجاح هذه الصفقة يبشر بمستقبل "خطير وجلل"، مؤكداً أنها تمثل ارتهاناً لليبيا لمدة 40 عاماً أخرى من التبعية والدكتاتورية، وتشكل بوابة رئيسية للتطبيع.
ووصف المفتي الشعارات التي ترفعها البعثات والهيئات الدولية حول "توحيد الميزانية والحفاظ على أموال الدولة" بأنها شعارات كاذبة، هدفها الحقيقي تثبيت أركان الفوضى وإطالة أمد الانقسام.
ووجّه تحذيراً مباشراً لحكومة الدبيبة في طرابلس من القبول بأي تنازلات أو عقد صفقات مع "حفتر وأولاده" تحت مسمى التوافق، مؤكداً أن تمكينهم سيعني حتماً نهاية الحكومة وإقصاءها بالكامل.
وشدد الغرياني على أن السبيل الوحيد والصحيح للخروج من الانسداد السياسي الحالي يكمن في العودة إلى الشعب عبر إجراء انتخابات عامة ومباشرة، وهو المسار الذي تتهرب منه الأطراف المستفيدة.
وفي ختام حديثه، دعا مفتي عام ليبيا عموم المواطنين إلى عدم التهاون أو الوقوع في فخ الوعود المبهرجة، ومقاطعة مخرجات هذه المبادرة، مطالباً إياهم بالنزول إلى الميادين لإعلان الرفض القاطع لـ"المشروع الصهيوني للسيطرة على المنطقة عبر أذرع داخلية".
https://x.com/TanasuhTV/status/2072379199009030178
https://x.com/TanasuhTV/status/2072379776438845760
تنسيق أمني يثير الجدل
بالتزامن مع هذه التحذيرات، كشفت تقارير إعلامية عن تفاصيل زيارة صدام حفتر إلى الولايات المتحدة؛ حيث عقد اجتماعاً في واشنطن مع مسؤولين أمريكيين بارزين، يتقدمهم مدير شؤون الشرق الأوسط وإفريقيا في مجلس الأمن القومي الأمريكي، "واين وول".
تركزت المباحثات في واشنطن على تعزيز التعاون العسكري والتنسيق الأمني المشترك، بالإضافة إلى مناقشة دعم مسار توحيد المؤسسات العسكرية والسياسية الليبية، وهو الحراك الذي اعتبره مفتي ليبيا دليلاً على أبعاد صفقة "بولس".
تواجه "صفقة بولس" معارضة شديدة تتجاوز الفواعل السياسيين إلى القواعد الاجتماعية؛ حيث يرفض شيوخ القبائل المؤثرين في الغرب والجنوب الليبي، وحتى داخل مدينة مصراتة (مسقط رأس الدبيبة)، هذا الترتيب العائلي.
ورغم إرسال واشنطن وفوداً استشارية إلى مصراتة لإقناع قادة القبائل عبر وعود بمناصب أو "رشاوى سياسية"، تظل الخطة الأمريكية معلقة بين طموحات واشنطن الإقليمية، وحقائق الأرض الليبية الرافضة لفرض الحلول الجاهزة.
الدبيبة يخشى "السيناريو المصري"
ونقل حساب @political0s مجموعة من الأوراق الغربية عن الخطط الامريكية بشأن ليبيا وصدام حفتر، وكشفت تقارير استخباراتية ودبلوماسية مكثفة، نقلتها صحيفة Il Foglio الإيطالية ومنصات تحليل استراتيجي، عن تفاصيل وخلفيات "خطة أمريكية سرية" يقودها مسعد بولس (مستشار وصهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب)، كانت تهدف لإعادة هندسة المشهد الليبي عبر تنصيب صدام حفتر رئيساً لليبيا مقابل إبقاء عبد الحميد الدبيبة رئيساً للحكومة.
ورغم الترتيبات التي وصلت إلى حد زيارة صدام حفتر لواشنطن ولقائه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، إلا أن الإعلان عن هذا الاتفاق، الذي رُوّج له كـ "اتفاق السلام التاسع" لترامب، تعثر في اللحظات الأخيرة ليدخل نفقاً من التوجس الأمني والسياسي.
طبخة "التوافق"
شهدت الأسابيع الماضية حراكاً استخباراتياً دولياً غير مسبوق في عواصم القرار الليبي، تمحور بالكامل حول تسويق خطة "بولس" لتقاسم السلطة بين عائلتي الدبيبة وحفتر:
الدور الإيطالي:
وصل رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الإيطالية "جيوفاني كارافيلي" إلى طرابلس والتقى الدبيبة، ليعكس استعداد روما لدعم الخطة الأمريكية.
الوساطة المصرية: استقبل الدبيبة في طرابلس رئيس المخابرات المصرية "حسن رشاد" في زيارة هي الأولى لمسؤول مصري رفيع منذ 2021، وانتقل رشاد بعدها للقاهرة للمشاركة في اجتماع ضم مسعد بولس وصدام حفتر.
التحرك التركي: في اليوم التالي مباشرة، زار رئيس الاستخبارات التركية "إبراهيم قالن" مدينة بنغازي لإتمام ترتيبات الحراك نفسه.
طموحات مسعد بولس: تشير المصادر إلى أن بولس يستميت لتحقيق هذا النجاح الدبلوماسي بهدف تعزيز مكانته داخل إدارة ترامب، وعينه على منصب السفير الأمريكي الشاغر في الإمارات أو السعودية.
لماذا رفض الدبيبة؟ مخاوف الوجود والمنفى
رغم أن المبادرة تضمن بقاء الدبيبة في رئاسة الحكومة، إلا أن الأخير أبدى رفضاً قاطعاً للمشاركة في المرحلة الحالية، مدفوعاً بـ هواجس أمنية وسياسية عميقة:
يخشى الدبيبة أن يؤدي تعيين صدام حفتر رئيساً أو قائداً عاماً للجيش بصلاحيات واسعة إلى تكرار "النموذج المصري"، بحيث يتحول المنصب العسكري إلى منصة انطلاق للسيطرة الكاملة على السلطة السياسية، ما قد ينتهي باعتقال الدبيبة أو نفيه.
كشفت المصادر عن تصدع داخل جبهة الدبيبة؛ إذ حاول ابن شقيقه، إبراهيم الدبيبة، السفر إلى واشنطن للمشاركة في اللقاء مع حفتر وروبيو بعد حصوله على تأشيرة أمريكية، مشترطاً الحصول على ضمانات أمريكية بعدم ملاحقته قضائياً في ملفات سابقة، ونظراً لعجز واشنطن عن تقديم الضمانات، فشلت محاولته.
جماعات ضغط بمليوني دولار
يسلط التقرير الضوء على كيفية صعود نجم صدام حفتر في واشنطن؛ حيث تبين أن عائلة حفتر وقعت عقداً بقيمة مليوني دولار مع شركة Ballard Consulting Group، وهي شركة ضغط يقودها ديفيد بالارد (أحد كبار داعمي ترامب)، للتأثير في دوائر صنع القرار بالولايات المتحدة.
وعلى الرغم من نجاح صدام في حشد دعم 100 نائب من برلمان طبرق، بل وتحالفه المفاجئ مع عبد الحكيم بلحاج (القائد العسكري السابق في طرابلس) لبناء قاعدة عابرة للانقسام التقليدي، إلا أن البيئة الأمنية في غرب ليبيا أبدت ممانعة شرسة.
جبهة الغرب تنتفض: رفض طرابلس ومصراتة
بالتزامن مع لقاء حفتر وروبيو في واشنطن، سادت أجواء من القلق الأمني في طرابلس؛ حيث عقد عشرات من قادة المجموعات المسلحة اجتماعاً طارئاً لبحث كيفية التصدي لأي اتفاق يُفرض عليهم أمريكياً.
ووفقاً للتسريبات، فإن نائب وزير الدفاع في حكومة طرابلس، عبد السلام الزوبي، زار واشنطن قبل وصول حفتر بثلاثة أيام، والتقى بمسؤولين في البنتاغون، مستقبلاً بانطباعات أمريكية سلبية اعتبرته "قائد ميليشيا بسجل عنيف"، ومع ذلك، عندما طلب منه مسعد بولس توجيه دعوة رسمية لصدام حفتر لزيارة طرابلس لكسر الجمود، رفض الزوبي بشكل قاطع خشية اندلاع غضب شعبي عارم واشتعال العاصمة.