انتهاك دستوري ودولي.. قانون النقابات الجديد ومحاولات السيطرة على العمال

- ‎فيتقارير

أكد مراقبون أن الحجج الحكومية المتعلقة بالمؤتمرات الدولية والتدريب والاتساق المؤسسي ليست سوى غطاء إداري وسياسي لعملية ممنهجة لـ "هندسة الحياة النقابية"، وتهدف هذه الهندسة إلى الحفاظ على الوضع الراهن وإبقاء القيادات التقليدية الموالية في مواقعها داخل الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، لضمان غياب الصوت المعارض والاحتجاجي في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية شديدة القسوة يمر بها المواطن المصري.

ويؤكد المراقبون أن التعديل الجديد يمثل تراجعاً صريحاً عن المكتسبات الدستورية والحقوقية من جانبين؛ مخالفة معايير منظمة العمل الدولية، حيث يمثل التمديد الحكومي خرقاً للاتفاقيتين الدوليتين (87 و98) اللتين وقعت عليهما مصر، واللتين تضمنان حرية التنظيم النقابي وحق العمال المطلق في اختيار ممثليهم دون وصاية أو تدخل من السلطة التنفيذية.

وثانيا؛ إفراغ الدستور من مضمونه، حيث يمثل التعديل التفافاً على المادتين (76 و77) من الدستور المصري، واللتين تكفلان استقلال النقابات وإدارتها على أسس ديمقراطية تنبع من قواعدها العمالية، فإطالة عمر المجالس بقرار رئاسي أو برلماني يسلب الجمعيات العمومية صلاحيتها الأصيلة في تحديد مدد مجالسها وفق لوائحها الداخلية.

إقصاء المستقلين وتكريس الشكليات

 

توضح قراءة لمنصة (زاوية ثالثة) أن المشهد الانتخابي النقابي للدورة (2022-2026) لم يكن حقيقياً بل تحول إلى مجرد "ديكورات شكلية"؛ بسبب الاستبعاد الممنهج والشطب الذي طال المرشحين المستقلين من قبل وزارة العمل والجهات الأمنية، وقد تزايد هذا الضعف مع نقل اختصاص الفصل في الطعون الانتخابية من محاكم مجلس الدولة (الجهة القضائية الأكثر حياداً) إلى المحاكم العمالية، مما أدى إلى غياب الرقابة القضائية الفعالة وتعطيل البت في التظلمات، فضلاً عن تعليق الجمعيات العمومية لبعض النقابات المستقلة مثل نقابات الإسعاف والنقل البري وعمال قناة السويس.

الإصلاح التشريعي البديل

 

وفي مواجهة هذا المسار الإقصائي، برز دور لجنة الحريات بدار الخدمات النقابية والعمالية كفاعل أساسي يطرح بديلاً حقوقياً متكاملاً، ففي اجتماعها الدوري الأخير، ناقشت اللجنة كافة عيوب القانون الحالي وقدمت مسودة تعديلات جوهرية تستهدف هدم جدار الوصاية الإدارية وبناء بيئة نقابية حرة.

 

وتمثلت ملامح مشروع وملاحظات لجنة الحريات في الآتي:

تحرير العضوية والاعتراف بالأنماط العمالية الجديدة (المادة 2)

 

انتقدت اللجنة حصر المجموعات المستفيدة من القانون في فئات تقليدية محددة، وطالبت بحذف تحديد الفئات واستبدالها بنص عام يشمل "العمال" بمفهومهم الواسع، وذلك لاستيعاب الفئات المهنية الحديثة التي فرضها الواقع الاقتصادي الجديد مثل "عمال المنصات الرقمية" والعمالة غير المنتظمة.

السيادة الكاملة للجمعيات العمومية على لوائحها (المادة 6)

 

اعترضت لجنة الحريات بشدة على تحول "النماذج الاسترشادية للائحة النظام الأساسي" التي تصدر بقرار من وزير العمل إلى دساتير ملزمة ومفروضة على النقابات، وطالبت بتعديل هذه المادة ليكون للجمعيات العمومية الحق المطلق والأصيل في وضع لوائحها الداخلية بما يتناسب مع طبيعة عملها، على أن تقتصر النماذج الوزارية على الدور الاستشاري غير الملزم.

تحصين النقابات من الحل والحلول التعسفية (المادتان 7 و8)

 

رصدت اللجنة وجود ثغرات قانونية تسمح للسلطة أو الأطراف المنافسة بضرب استقرار الكيانات النقابية. وطالبت بحذف عبارة "لكل ذي مصلحة" الفضفاضة من نص المادة السابعة، والتي تسمح لأشخاص خارج الإطار العمالي بالتقدم بطلبات لحل مجالس الإدارات أمام القضاء، ودعت لتعديل المادة الثامنة لضمان عدم جواز حل أي منظمة نقابية إلا بقرار مباشر نابع من جمعيتها العمومية صاحبة السيادة.

خفض شروط التأسيس لتعزيز التعددية (المواد 10، 11، 12، 13)

 

وللتغلب على العراقيل البيروقراطية التي تمنع ظهور كيانات مستقلة جديدة، اقترحت اللجنة النقابية ؛ خفض الحد الأدنى المطلوب لتأسيس لجنة نقابية داخل المنشأة من 50 عضواً إلى 20 عضواً فقط، لفتح المجال لعمال الورش والمصانع الصغيرة للتنظيم.

كما اقترحت إلغاء المستويات النقابية المتعددة التي تهمش الكيانات القاعدية، وتكريس مستوى نقابي مرن يعطي اللجان القاعدية الحق الكامل في تشكيل أو الانضمام إلى الاتحادات التي ترغب فيها بحرية، مع إلغاء المادتين (12 و13) اللتين تفرضان قيوداً بالغة الصعوبة على تكوين الاتحادات العامة.

إعادة تنظيم العلاقة الإدارية والقضائية (المواد 18، 19، 20)

 

أكدت لجنة الحريات على ضرورة تقليص يد السلطة التنفيذية الممثلة في "وزارة العمل" في عملية إيداع الأوراق وتأسيس النقابات، وطرحت مقترحاً بدمج المادتين (19 و20) ينص على أنه في حال رصدت الجهة الإدارية أي نقص في أوراق التأسيس، يتم إخطار النقابة لإصلاح العيب خلال ثلاثين يوماً، وفي حال الخلاف لا تُعطل أنشطة النقابة، بل يحال النزاع إلى المحكمة العمالية للفصل فيه بينما تستمر النقابة في ممارسة عملها، كما شددت اللجنة على ضرورة تحويل سلطة التسجيل من وزارة العمل لتصبح عبر التسجيل بالإخطار في المحكمة أسوة بنظام الأحزاب السياسية، لمنع التعسف الإداري.

https://web.facebook.com/photo/?fbid=1332538499064379&set=pcb.1332538552397707&__cft__%5B0%5D=AZYYtKtBfuO-kBbOLk0tD-rlYTZktcEJa7OE2r3vMugrtHKe3_qjjSJGDKWJsctuEj5oDW0Ng1V725XfuG9OP3GNmJUlW4mGO1zNOlZjP95e_5Ug3JQ95Ata_L6cFdjuNKM0VlKcsgG4-dimJ526qr1VPlwpyW_qHz6YfKNwUfPZSg&__tn__=%2Ab0H-R&_rdc=1&_rdr

البعد المالي وتحديات الأفراد

ولم تتوقف الأزمة عند الجوانب التشريعية الكبرى، بل امتدت لتشمل تداعيات مالية وشخصية تمس حصانة العمل النقابي نفسه. فقد رصدت التقارير تزايد الأعباء المالية التي يتحملها العمال نتيجة كثرة تمثيل الوفود الرسمية في المؤتمرات الخارجية دون أي مردود حقيقي ينعكس على الأجور أو شروط السلامة المهنية وتحسين بيئة العمل بالداخل.

 

وعلى المستوى الفردي، تجسد الأزمة في قضايا ملاحقة النقابيين، مثل حالة عمرو الحديدي (نائب رئيس اللجنة النقابية العامة للعاملين بالبترول، وتحديداً اللجنة النقابية لـ شركة الإسكندرية للزيوت المعدنية (أموك – AMOC)، والتي أثارت احتجاجات واسعة ضد الإجراءات العقابية الكيدية المتخذة بحقه بناء على وقائع قديمة تعود لعام 2022، ويرى المدافعون عن الحديدي أن إثارة هذه الملفات القديمة بعد انتهاء دورة نقابية كاملة يمثل استخداماً سياسياً كيدياً لتصفية الحسابات الانتخابية، ويخالف مبدأ سقوط الحق في المساءلة بالتقادم النقابي، مما يبرز كيف تُستخدم البيروقراطية والثغرات القانونية كأداة لترهيب الأصوات المستقلة.

ويعتبر المشهد الحالي للعمل النقابي في مارا بمنعطف تاريخي يعكس صراعاً دائم التجدد بين إرادتين؛ إرادة من حكومة السيسي تسعى لمأسسة العمل النقابي وجعله تابعاً لخططها وسياستها عبر التمديد والتحكم الإداري، وإرادة نقابية عمالية يقودها تيار الاستقلال بدار الخدمات ولجنة الحريات تسعى لانتزاع حق العمال في تنظيم أنفسهم بحرية كاملة ودون وصاية، وتبقى مقترحات لجنة الحريات وتفنيد منصة "زاوية ثالثة" بمثابة خارطة طريق حقيقية لإصلاح تشريعي شامل يحمي كرامة العامل المصري ويضمن له تنظيماً نقابياً ديمقراطياً معبراً عن تطلعاته الاقتصادية والاجتماعية.