بينما يتحدث المنقلب السفيه السيسي عن رفع تكلفة الكهرباء إلى 100 مليار جنيه، تبرز تساؤلات حول جدوى التوسع في محطات التوليد، وحقيقة دعم المنازل، وأسباب تراكم المديونيات التي تدفع الشركة القابضة للاقتراض بضمانة وزارة المالية.
وكان الحوار الذي دار بين المنقلب عبد الفتاح السيسي ووزير الكهرباء خلال منتدى مصر 2026 قد أثار تساؤلات بشأن التكلفة الحقيقية لإنتاج الكهرباء في مصر، وحجم الأعباء التي يتحملها المواطنون، في ظل اتجاه لرفع ما يدفعه المستهلكون مقابل الخدمة، بالتزامن مع استمرار مديونيات القطاع والحاجة إلى اقتراض مليارات الجنيهات لسداد مستحقات شركات البترول.
وخلال الحوار، سأل السيسي وزير الكهرباء، عن قيمة ما تحصله الوزارة من فواتير الاستهلاك، ليرد الوزير بأن التحصيل الشهري يبلغ نحو 20 مليار جنيه، بينما ترتفع التكلفة، وفق الأرقام التي عرضها، إلى نحو 30 مليار جنيه عند احتسابها على أساس التكلفة، وإلى 160 مليار جنيه وفق حساب مرتبط بسعر الغاز.
لكن السيسي تدخل قائلا إنه لن يتحدث عن 160 مليار جنيه، وإنما عن 100 مليار فقط، في مشهد يطرح سؤالا جوهريا: هل تكمن أزمة الكهرباء في انخفاض ما يدفعه المواطنون، أم في اختلالات هيكلية تتعلق بالتخطيط والتشغيل والديون وشفافية حساب التكلفة؟
محطات سيمنز وفائض الإنتاج.. من يتحمل فاتورة التخطيط؟
في مداخلة نقدية متداولة بشأن أزمة الكهرباء، جرى توجيه الاتهام إلى التوسع في إنشاء محطات توليد ضخمة دون دراسة كافية للاحتياجات الفعلية، مع الإشارة إلى المحطات الثلاث التي تعاقدت مصر على إنشائها مع شركة سيمنز، باعتبارها أحد الملفات التي تستحق مراجعة جدوى الاستثمار فيها وتكلفته الاقتصادية.
وتستند هذه الانتقادات إلى الفارق بين القدرة المركبة لإنتاج الكهرباء في مصر، التي تتجاوز 60 ألف ميجاواط وفق الأرقام الواردة في المادة، وبين أقصى طلب استهلاكي خلال فترات الذروة الصيفية، الذي يقدر بنحو 40 ألف ميجاواط.
هذا الفارق يعني وجود قدرات إنتاجية تتجاوز ذروة الطلب، وإن كان تقييم حجم الفائض الفعلي يتطلب احتساب الاحتياطي اللازم لتأمين الشبكة، وأعمال الصيانة، وتفاوت الطلب على مدار اليوم، ومدى جاهزية المحطات للتشغيل.
لكن السؤال الذي يظل مطروحا هو: ما تكلفة إنشاء هذه القدرات وتشغيلها وصيانتها، وما حجم العائد الاقتصادي الذي تحققه مقارنة بالأعباء التي تتحملها الدولة؟
فالمحطات التي لا تعمل بكامل طاقتها لا تعني بالضرورة أن تكلفتها تختفي؛ إذ تظل هناك أعباء رأسمالية وتمويلية وتكاليف ثابتة، قد ينعكس جزء منها على متوسط تكلفة الكيلووات/ساعة.
وإذا لم تتناسب الاستثمارات مع نمو الطلب الفعلي، فإن المواطن قد يجد نفسه أمام فاتورة تتأثر بقرارات تخطيطية لم يشارك في صنعها.
ومن هنا، فإن تحميل المستهلكين مزيدا من الأعباء تحت عنوان الوصول إلى التكلفة الحقيقية لا يكفي وحده لتبرير الزيادات، ما لم تُكشف أولا كفاءة القرارات الاستثمارية ومدى تناسبها مع احتياجات البلاد.
دعم الكهرباء للمنازل.. أين تذهب أموال الفواتير؟
تتضمن المادة المطروحة نقطة أخرى تتعلق بما تصفه بأنه غياب للدعم المالي المباشر للكهرباء المنزلية في الموازنة العامة، إذ تشير إلى أن بند دعم الكهرباء الموجه للمنازل بلغ صفرا في موازنة العام المالي 2025-2026، وكذلك في عدد من الموازنات السابقة.
وإذا صحت هذه الأرقام وفقا للبيانات الرسمية المشار إليها، فإنها تستدعي توضيحا حكوميا بشأن كيفية احتساب تكلفة الكهرباء التي يتحملها المستهلك، والفارق بين الدعم المدرج في الموازنة العامة وأي أشكال أخرى من الدعم أو التسويات المالية بين الجهات الحكومية.
فوجود بند موازني بقيمة صفر لا يعني، بمفرده، أن جميع شرائح المستهلكين تدفع التكلفة الاقتصادية الكاملة للكهرباء، كما لا يكفي وحده لنفي وجود أعباء مالية تتحملها جهات حكومية أو شركات مملوكة للدولة.
لكن النقطة الأهم هي أن الحكومة مطالبة بإعلان حساب واضح ومتكامل يشرح تكلفة إنتاج الكهرباء ونقلها وتوزيعها، وحجم الإيرادات المحصلة، وطبيعة الالتزامات المالية، وأسباب الفجوة بين الإيرادات والمصروفات.
فالمواطن الذي يواجه زيادات متتالية في أسعار الخدمات من حقه أن يعرف ما إذا كانت الزيادة المطلوبة تستهدف تغطية تكلفة فعلية وضرورية، أم أنها تعالج خسائر تراكمت بسبب سوء الإدارة أو ضعف التحصيل أو قرارات استثمارية لم تحقق العائد المتوقع.
100 مليار جنيه ديون جديدة… لماذا لا تتوقف الخسائر؟
تزداد علامات الاستفهام بشأن سعي الشركة القابضة لكهرباء مصر إلى اقتراض 100 مليار جنيه بضمانة وزارة المالية، لسداد جزء من مديونياتها المستحقة لوزارة البترول.
فإذا تأكدت تفاصيل هذا التمويل، فإن القضية لا تتعلق فقط بحجم المديونية، وإنما بأسباب تراكمها وآليات سدادها، ومدى قدرة قطاع الكهرباء على الوفاء بالتزاماته من إيراداته، خصوصا بعد سلسلة الزيادات التي تحملها المستهلكون خلال السنوات الماضية.
ويطرح الاقتراض بضمانة وزارة المالية تساؤلات حول المخاطر التي قد تنتقل إلى المالية العامة إذا تعثرت الشركة في السداد، وحول ما إذا كانت هذه القروض تعالج جذور الأزمة أم تؤجلها إلى مرحلة لاحقة، مع إضافة أعباء تمويلية جديدة.
ولا يمكن اعتبار الاقتراض في حد ذاته دليلا على وجود فساد، لكن تكرار اللجوء إلى التمويل لسداد مديونيات متراكمة يجعل الإفصاح عن أسباب العجز المالي أمرا ضروريا، خصوصا عندما تكون النتيجة المحتملة مزيدا من الضغوط على المواطنين أو الموازنة العامة.
فإذا كانت الكهرباء تباع للمستهلكين بأسعار ارتفعت مرارا، فلماذا يستمر تراكم المديونيات؟ وهل تكفي زيادة الأسعار وحدها لحل المشكلة، أم أن هناك خللا في إدارة الإيرادات والمصروفات والتحصيل والتعاقدات يحتاج إلى مراجعة مستقلة؟
أين تذهب الإيرادات؟ أسئلة لا تجيب عنها زيادة الأسعار
تتطلب معالجة أزمة الكهرباء نشر بيانات تفصيلية تسمح بتقييم أداء القطاع، بدلا من اختزال القضية في مقارنة عامة بين ما تحصله الوزارة وما تقول إنه التكلفة الكاملة للخدمة.
وتشمل هذه البيانات:
التكلفة الفعلية لإنتاج ونقل وتوزيع الكيلووات/ساعة، مع توضيح عناصرها الأساسية.
سعر الوقود الذي تحصل عليه محطات التوليد، وكيفية احتساب تكلفته ومقارنته بالتكلفة الاقتصادية.
إجمالي قيمة فواتير الكهرباء، وما يتم تحصيله فعليا، ونسب التحصيل وحجم المتأخرات.
مستحقات الجهات الحكومية المتأخرة، وآليات تسويتها بين شركات القطاع.
حجم الفاقد الفني والتجاري، وقيمة الكهرباء غير المحصلة بسبب سرقات التيار أو أخطاء القياس والفوترة.
أعباء الديون والفوائد، وأسباب تراكم المديونيات رغم زيادة الأسعار.
تكلفة إنشاء محطات التوليد الجديدة، ومعدلات تشغيلها، والعائد الاقتصادي من القدرات الإنتاجية التي أضيفت إلى الشبكة.
ولا تعني المطالبة بنشر هذه البيانات افتراض وجود فساد أو سرقات قبل إثباتها، لكنها تضع الحكومة أمام مسئوليتها في تقديم تفسير قابل للفحص لأسباب الأزمة، وتتيح للخبراء والجهات الرقابية تقييم ما إذا كانت الخسائر ناجمة عن عوامل اقتصادية لا يمكن تجنبها، أم عن قرارات إدارية أو مالية كان بالإمكان الحد من آثارها.
المواطن ليس المسئول عن أخطاء الإدارة
المشكلة الأساسية في ملف الكهرباء أن المواطن يُطلب منه باستمرار تحمل تكلفة ارتفاع الأسعار، بينما لا تتوافر أمامه بصورة متكاملة بيانات تتيح له معرفة أسباب العجز المالي، أو تقييم جدوى الاستثمارات التي نفذها القطاع، أو تحديد الجهات المسؤولة عن تراكم الديون.
وإذا كانت الدولة تريد الانتقال إلى تسعير يعكس التكلفة الاقتصادية، فإن العدالة تقتضي أن يسبق ذلك إعلان واضح لمكونات التكلفة، ومراجعة كفاءة التشغيل، وتقييم الاستثمارات الكبرى، والكشف عن أسباب الفاقد والمديونيات، مع حماية الأسر الأكثر احتياجا من الأعباء التي لا تستطيع تحملها.
فلا يجوز أن تتحول زيادة الأسعار إلى وسيلة دائمة لمعالجة اختلالات لا يعرف المواطن أسبابها، ولا يملك أدوات لمراجعتها أو محاسبة المسؤولين عنها.
إن السؤال الذي ينبغي أن يسبق الحديث عن تحميل المستهلكين فاتورة تصل إلى 100 مليار جنيه ليس فقط: كم تكلف الكهرباء؟ بل أيضا: كيف أُنفقت الأموال، ولماذا تراكمت المديونيات، وما الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمنع تكرار الخسائر؟
ومن دون إجابات موثقة عن هذه الأسئلة، ستظل زيادة الأسعار عبئا إضافيا على الأسر المصرية، بينما تبقى الأسباب الحقيقية لأزمة الكهرباء موضع تساؤل، وتستمر احتمالات نقل تكلفة الاختلالات المالية والإدارية إلى المواطن بدلا من معالجة جذورها.