في كل عام يطوف أمناء وأمينات المكتبات المدرسية على طلاب الابتدائي والإعدادي والثانوي لاسيما في الحكومية منها؛ عارضين عليهم المشاركة في عدة مسابقات محلية وعربية (خليجية) تطلقها مجلات عربية مثل "العربي الصغير" الكويتية أو المسابقة التي انطلقت قبل 10 سنوات وفاز ت بها أخيرا الطفلة المصرية ميار محمد رجب عثمان الشوربجي، 11 عامًا، إلى المركز الأول في الموسم العاشر من "تحدي القراءة العربي" فكانت مناسبة لإعادة طرح سؤال أكبر عن مستقبل الموهوبين في مصر: كم طفلًا يمتلك قدرات استثنائية ولا يجد الطريق الذي يقوده إلى منصة التتويج؟ وكم موهبة تحتاج إلى من يكتشفها مبكرًا، ويوفر لها الكتب والتدريب والتشجيع والفرصة المناسبة؟
الجهود الفردية لميار الشوربجي وأسرتها في قراءة الكتب لاسيما الالكترونية منها في وقت بات ثمن الكتب عائقا أمام تحدي القراءة لاسيما لطفلة في الصف السادس الابتدائي بمدرسة الشهيد حمدي شرابي الابتدائية الحكومية في محافظة كفر الشيخ.
ميار كانت بين آلاف الطلاب المصريين الذين ضمتهم كشوف أمناء وأمينات المكتبات وإشارة إلى تجاوزت المشاركات عربيا 40 مليون طالب وطالبة من 60 دولة، (دقة الرقم على عهدة موقع المسابقة).
وتسلمت جائزتها من حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في الحفل الختامي الذي أقيم يوم الخميس 29 أكتوبر 2026، بقيمة مالية بلغت 500 ألف درهم إماراتي، بحسب التغطية المتداولة، والذي تحول من جائزة دبي للقرآن الكريم العالمية والتي سبق أن كرّم هو نفسه فيها العلامة الشيخ يوسف القرضاوي ومن قبله الشيخ محمد متولي الشعراوي .
الاحتفاء بميار وحدها فحسب، يستحق أن يتحول إلى فرصة لمراجعة واقع اكتشاف المواهب في المدارس المصرية، ومدى قدرة المؤسسات التعليمية على تحويل التفوق الفردي إلى مسار مستدام، بدلًا من أن تظل قصص النجاح الاستثنائية أحداثًا موسمية تتصدر الأخبار ثم تنتهي بانتهاء مراسم التكريم.
وتكتسب الإشارة إلى مدرسة الشهيد حمدي شرابي بمحافظة كفر الشيخ أهمية خاصة؛ لأنها تنقل قصة النجاح من إطار المنافسة الدولية إلى البيئة التعليمية المحلية التي خرجت منها الطالبة، فالمطلوب ليس أن تصبح ميار استثناءً يثير الإعجاب فحسب، بل أن تتحول تجربتها إلى نموذج يمكن لطلاب آخرين الاستفادة منه، بصرف النظر عن المحافظة أو الإمكانات المادية لأسرهم.
الإعلامي الإماراتي منذر المزكي الشامسي @M_Almuzaki نشر منذر المزكي الشامسي انطباعاته عن لقائه ميار قبل الحفل الختامي، وكتب: «دردشنا شوية، بس كلامها ساب جوّه قلبي أثر حلو وتعلمت منها»، مشيدًا بفصاحتها وطموحها وحبها للغة العربية.
وتطرح هذه الشهادة أيضًا سؤالًا عن المواهب التي لا تظهر في مسابقات القراءة وحدها: كم طالبًا يمتلك قدرة على الكتابة أو الخطابة أو البحث، لكنه لا يجد من يمنحه الفرصة للتدرب والعرض والمنافسة؟ إن اكتشاف الموهبة ينبغي أن يشمل جوانب متعددة، وألا يُحصر في مسابقة واحدة أو مجال واحد.
الدكتور عبد الكريم بكار @Drbakkar كتب "من أجمل ما رأيت اليوم هؤلاء الأطفال المشاركون في تحدي القراءة العربي»، وبارك لميار حصولها على المركز الأول، داعيًا الآباء والأمهات إلى تشجيع أبنائهم على القراءة، ومشيرًا إلى جمال أن يكبر الأطفال بين الكتب ويكتشفوا العوالم التي تفتحها لهم."
إن وجود طالبة تفوز بالمركز الأول ومدرسة تحصد المركز الثاني في المحافظة نفسها يمنح كفر الشيخ فرصة لتطوير تجربة محلية أوسع، تستفيد منها مدارس أخرى، وتتيح تبادل الكتب والخبرات، وتدريب المعلمين والمشرفين، وتنظيم مسابقات مستمرة لا تنتظر موعد المنافسة العربية.
برنامج لرعاية الموهوبين
يرى مراقبون أنه من منطق الاستثمار في الإنسان؛ يمكن أن يبدأ ذلك بتطوير المكتبات المدرسية وتحديث محتوياتها، وإتاحة الكتب الرقمية والورقية مجانًا، وتدريب أمناء المكتبات والمعلمين على اكتشاف الطلاب الذين يمتلكون شغفًا بالقراءة وقدرة على التحليل والتعبير.
ويرون أيضا أنه يمكن لمديريات التربية والتعليم تنظيم لقاءات دورية للطلاب المتميزين، وتوفير برامج لتنمية الكتابة الإبداعية والبحث العلمي والخطابة، وربط المتفوقين بجامعات ومؤسسات ثقافية ومراكز متخصصة، مع مراعاة أعمارهم واحتياجاتهم التعليمية.
ويشيرون إلى أنه لا ينبغي أن تكون رعاية الموهبة محصورة في الطلاب القادرين على شراء الكتب أو الحصول على دروس إضافية. فتكافؤ الفرص يعني أن يجد الطفل في قرية صغيرة أو مدرسة محدودة الموارد فرصة حقيقية للوصول إلى الكتاب، وإظهار قدراته، والمنافسة على أساس ما يمتلكه من معرفة ومهارات.
وتساءل بعضهم: هل ستتحول قصة ميار إلى نموذج تتبناه المدارس ومديريات التعليم، أم ستظل قصة نجاح فردية نتذكرها كلما أُعلنت نتائج المسابقة؟ وكيف أن الأمل الحقيقي ليس أن تظل ميار قصة استثنائية، بل أن تصبح تجربتها بداية لمرحلة لا يضطر فيها الموهوب المصري إلى انتظار فرصة استثنائية كي يُكتشف، ولا يتوقف فيها مستقبله عند لحظة تكريمه.