توقف الشاحنات عبر معبر قسطل يهدد مصالح التجار ويزيد تكاليف السلع.. وتحركات سودانية لتخفيف الجمارك وسط مساعٍ مصرية لاستئناف حركة النقل
تواجه التجارة البرية بين مصر والسودان أزمة متصاعدة، مع تعطل حركة الشاحنات عبر معبر قسطل الحدودي، نتيجة إجراءات تنظيمية ومشكلات إدارية وقيود سودانية على الاستيراد، بالتزامن مع مخاوف أمنية متزايدة لدى سائقي الشاحنات عقب مقتل سائقين مصريين في الخرطوم.
وأربك توقف حركة النقل تنفيذ تعاقدات تجارية وتأخر وصول شحنات من السلع الغذائية والأساسية إلى الأسواق السودانية، فيما اضطر بعض التجار إلى البحث عن مسارات بديلة، من بينها النقل النهري، رغم ارتفاع تكلفته مقارنة بالنقل البري.
وتتجاوز تداعيات الأزمة حدود قطاع النقل، لتطال مصالح التجار في البلدين، وتزيد الضغوط على الأسواق السودانية التي تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات لتلبية احتياجاتها من الغذاء والسلع المصنعة، في ظل استمرار الحرب وتراجع الإنتاج المحلي وارتفاع تكاليف المعيشة.
وفي المقابل، تحاول السلطات السودانية تخفيف بعض القيود المفروضة على الاستيراد، بالتوازي مع تحركات واتصالات تهدف إلى معالجة أزمة الشاحنات والسلع المحتجزة في المعابر، وسط مطالب بإعادة تنشيط تجارة الحدود التي تمثل مصدرًا مهمًا للنشاط الاقتصادي في مناطق شمال السودان.
مقتل سائقين يوقف الشاحنات ويهدد التعاقدات التجارية
بدأت الأزمة تتفاقم خلال أكتوبر الحالي، بعدما علقت السلطات المصرية، في 15 أكتوبر 2026، عبور الشاحنات المتجهة إلى السودان عبر ميناء قسطل البري، عقب مقتل سائقين مصريين وإصابة ثالث، في حادثة أثارت مخاوف بشأن سلامة العاملين في قطاع النقل داخل الأراضي السودانية.
وقال تاجر مصري يتعامل مع السوق السودانية إنه أوقف منذ منتصف أكتوبر تنفيذ تعاقدات متفق عليها مع جهات سودانية لاستيراد مواد غذائية، مشيرًا إلى أن تعليق عبور الشاحنات من الجانب المصري تزامن مع مشكلات إدارية في معبر أشكيت على الجانب السوداني.
وأوضح أن مخاوف السائقين من دخول السودان تصاعدت بعد مقتل زميليهما، ما أدى إلى تعطل نقل الشحنات بصورة منتظمة، رغم وجود تفاهمات بشأن إيصال بعض الأغذية إلى المعبر لنقلها بواسطة شاحنات سودانية.
لكن هذه الترتيبات لم تنجح حتى الآن في ضمان تدفق منتظم للبضائع، لتظل التعاقدات التجارية معرضة للتأخير، ويتحمل التجار تكاليف إضافية نتيجة تعطل النقل وتغيير مسارات الشحن.
وبموجب الإجراءات المصرية، يتعين إبقاء الشاحنات المتجهة إلى قسطل في موقف تابع لمجلس المدينة، وعدم نقلها عبر العبارات لحين صدور تعليمات جديدة، بينما يستمر السماح بعبور الحافلات والسيارات الخاصة والميكروباصات والمسافرين الأفراد.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، شارك القنصل العام المصري في حلفا، باسل طمان، في جولة بمعبر أشكيت لمتابعة أوضاع حركة الشاحنات والوقوف على أسباب التكدس، والعمل على تسهيل التبادل التجاري ومعالجة المشكلات التي تعترض دخول البضائع.
النقل النهري.. بديل متاح لكنه أكثر تكلفة
مع تعطل الطريق البري، اتجه بعض التجار إلى النقل النهري باعتباره مسارًا بديلًا لنقل البضائع بين مصر والسودان، مستفيدين من استئناف الرحلات تدريجيًا في مايو الماضي، بعد توقف استمر ست سنوات، عبر الخط الرابط بين ميناء السد العالي في أسوان وميناء وادي حلفا السوداني.
غير أن هذا البديل لا يخلو من العقبات، إذ أكد التاجر المصري أن تكلفة النقل النهري أعلى من النقل البري، ما يرفع التكلفة النهائية للسلع ويضعف قدرتها التنافسية في الأسواق السودانية.
وتكتسب هذه الزيادة أهمية خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السودان، حيث يتراجع الدخل الحقيقي للمواطنين وتتزايد أسعار الغذاء والسلع الأساسية، ما يحد من قدرة المستهلكين على تحمل أي زيادات إضافية.
وحذر التاجر من أن استمرار الأزمة قد يدفع بعض العاملين في التجارة إلى اللجوء لطرق غير شرعية لنقل البضائع، بما يرفع المخاطر الأمنية والقانونية على التجار والسائقين، فضلًا عن إضعاف الرقابة على حركة السلع.
وتتفاقم المشكلة مع استمرار الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، إذ يتجنب السائقون المصريون التوجه إلى المناطق التي تشهد اشتباكات أو تدهورًا أمنيًا.
وفي هذا السياق، حذرت النقابة العامة للنقل البري في مصر السائقين من التوجه إلى مناطق التوتر في السودان، مستندة إلى قرار وزارة النقل الصادر في 11 مايو 2025، الذي يحظر دخولهم إلى مناطق الصراع، ويوجههم إلى تفريغ البضائع في حلفا وأرقين ودنقلا.
وتكشف الأزمة عن صعوبة الفصل بين انتظام التجارة ومتطلبات السلامة الأمنية؛ فاستئناف حركة الشاحنات لا يرتبط بالإجراءات الإدارية وحدها، وإنما يتطلب ضمانات عملية لحماية السائقين والعاملين في النقل.
خسائر متبادلة في سوق يتجاوز مليار دولار
تأتي الأزمة في وقت تشهد فيه العلاقات التجارية بين مصر والسودان أهمية متزايدة، مع اعتماد السوق السودانية على الواردات المصرية في توفير عدد من السلع الغذائية والمنتجات المصنعة والوقود.
وقال عضو في جمعية رجال الأعمال المصريين، تحدث شريطة عدم ذكر اسمه، إن مصر أصبحت شريكًا تجاريًا رئيسيًا للسودان، مشيرًا إلى أن انتظام التجارة البرية يمثل أهمية خاصة في تلبية احتياجات السوق السودانية من السلع الأساسية.
وبحسب المصدر، ارتفعت قيمة التجارة الثنائية من 617 مليون دولار إلى 1.87 مليار دولار خلال عام واحد، بينما يتجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين، وفق أرقام رسمية وردت في المادة، 1.2 مليار دولار.
وتشير هذه الأرقام إلى أهمية التحقق من الفترات الزمنية وتعريفات المؤشرات المستخدمة، لكنها تعكس، في المجمل، الوزن المتزايد للعلاقات التجارية بين البلدين، والضرر المحتمل من استمرار تعطل أحد مساراتها الرئيسية.
وأوضح المصدر أن السودان استورد خلال النصف الأول من العام الحالي وقودًا بقيمة 511 مليون دولار، بزيادة بلغت 60% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، إلى جانب سلع مصنعة في مصر بقيمة 140 مليون دولار، ومواد غذائية بقيمة 80 مليون دولار، و30 مليون دولار من القمح.
وأضاف أن الحرب ألحقت أضرارًا بالإنتاج والتصنيع داخل السودان، ما زاد اعتماد السوق على الواردات لتلبية الاحتياجات الأساسية، وجعل انتظام تدفق السلع المصرية عاملًا مهمًا في استقرار المعروض بالأسواق السودانية.
ومن ثم، فإن استمرار تعطيل الشاحنات لا يهدد مصالح المصدرين المصريين وحدهم، بل قد يؤدي أيضًا إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد على التجار السودانيين، وزيادة أسعار بعض السلع، وتعميق الضغوط المعيشية على المستهلكين.
قيود الاستيراد السودانية تضاعف أزمة المعابر
لا ترتبط الأزمة بالمخاوف الأمنية ومشكلات النقل وحدها، إذ تزامنت مع قيود سودانية على استيراد عدد من السلع، تسببت في احتجاز شحنات وتأخير وصولها إلى الأسواق.
وكان مجلس الوزراء السوداني قد فرض في أبريل الماضي حظرًا على استيراد أكثر من 40 سلعة، صنفها ضمن السلع الكمالية وغير الضرورية، في إطار مساعٍ للحد من الضغوط على سعر الصرف في الأسواق الموازية وتشجيع الصناعات المحلية.
لكن القيود أثارت اعتراضات من مستوردين وتجار، خاصة في المناطق الحدودية التي يعتمد نشاطها الاقتصادي بدرجة كبيرة على التبادل التجاري مع مصر.
وفي مواجهة ارتفاع الأسعار وتزايد تكاليف المعيشة، أصدر رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس قرارًا بإعفاء مجموعة من السلع الغذائية الأساسية من الرسوم الجمركية والضرائب، بما فيها ضريبة القيمة المضافة، إلى جانب إلغاء حظر استيراد سلع أخرى.
وشملت قائمة السلع المعفاة الدقيق والعدس والأرز والفول المصري وزيوت الطعام والفاصوليا والحمص والبسلة، مع توجيه الجهات الحكومية المعنية إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ القرارات.
وجاءت هذه الخطوات عقب توجيهات من رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان برفع الحظر عن استيراد السلع وإعفاء المواد الغذائية الأساسية من الرسوم الجمركية.
ورحبت الغرفة القومية للمستوردين بهذه التوجهات، لكنها طالبت بتحويلها إلى قرارات تنفيذية واضحة، كما دعت إلى خفض الدولار الجمركي وإلغاء نظام الإقرار المسبق للشحنات، بهدف تقليل تكلفة الاستيراد وتبسيط إجراءاته.
ومع ذلك، فإن تخفيف القيود الجمركية لا يكفي وحده لاستعادة حركة التجارة إلى طبيعتها، ما لم يتزامن مع حل مشكلات المعابر وضمان سلامة السائقين وتسريع الإفراج عن الشحنات المحتجزة.
احتجاجات في وادي حلفا.. التجارة مصدر رزق للسكان
أثارت القيود على الاستيراد وتعطل حركة البضائع احتجاجات في الولاية الشمالية السودانية، ولا سيما في وادي حلفا، حيث يعتمد جانب من النشاط الاقتصادي المحلي على التجارة الحدودية مع مصر.
وتعكس هذه الاحتجاجات حجم الأضرار التي لحقت بالتجار والعاملين في النقل والأنشطة المرتبطة به، بعدما أدى تعطل الشاحنات واحتجاز السلع إلى إرباك عمليات البيع والتوزيع.
كما تكشف الأزمة عن هشاشة الأنشطة الاقتصادية في المناطق الحدودية التي تعتمد على انسياب التجارة، إذ يؤدي أي قرار مفاجئ بتقييد الاستيراد أو تعليق النقل إلى تعطيل سلاسل الإمداد والإضرار بمصادر دخل قطاعات واسعة من السكان.
وأفادت تقارير سودانية بوجود تحركات لمعالجة أزمة السلع المحتجزة لدى الجمارك في وادي حلفا، بالتوازي مع الدعوات إلى تفعيل تجارة الحدود وتجاوز العقبات التي تعترض تدفق البضائع.
وأكد البرهان أهمية استمرار التجارة بين مصر والسودان، معربًا عن أمله في مواصلة القاهرة تزويد الخرطوم بالكهرباء، في إشارة إلى استمرار الحاجة إلى التعاون الاقتصادي والخدمي بين البلدين رغم تعقيدات الحرب.
وتعتمد أهمية وادي حلفا على موقعها الحدودي وارتباطها بمعبر أشكيت، الذي يمثل أحد المسارات الرئيسية لنقل البضائع والأفراد بين البلدين، ما يجعل انتظام الحركة التجارية عاملًا أساسيًا في النشاط الاقتصادي للمنطقة.
القاهرة والخرطوم أمام اختبار تأمين التجارة
أكد مصدر مصري مطلع أن الإجراءات المتعلقة بوقف حركة الشاحنات عبر معبر قسطل مؤقتة، مشيرًا إلى وجود تحركات سياسية وأمنية لمعالجة الأزمة وتسهيل دخول البضائع.
وأضاف المصدر أن السلطات السودانية تتحرك بدورها لاحتواء اضطراب التجارة، في ظل إدراك أهمية العلاقات الاقتصادية مع مصر خلال المرحلة الحالية، محذرًا من أن تعطيل التبادل التجاري سيزيد الأعباء على المواطنين السودانيين والتجار في البلدين.
وتعكس هذه التحركات إدراكًا متبادلًا للمصالح التي تربط القاهرة والخرطوم، سواء في مجال تجارة السلع الغذائية والمنتجات المصنعة والوقود، أو في مجالات الطاقة والتعاون الفني.
وفي قطاع الكهرباء، كانت وزارة الكهرباء والطاقة المصرية قد أعلنت في ديسمبر 2024 العمل على استكمال المرحلة الثانية من خط الربط الكهربائي المزدوج «توشكي 2/حلفا»، بقدرة تصل إلى 300 ميجاواط، إلى جانب التعاون في التدريب والدعم الفني والطاقة المتجددة.
غير أن استمرار التعاون في هذه المجالات لا يلغي الحاجة إلى معالجة المشكلات اليومية التي تواجه التجار والسائقين عند المعابر، خصوصًا أن الثقة في انتظام إجراءات النقل وسلامة العاملين تمثل شرطًا أساسيًا لاستمرار التجارة.
هل تستعيد التجارة البرية انسيابها؟
تضع الأزمة الحالية العلاقات التجارية بين مصر والسودان أمام اختبار عملي، في ظل تداخل ثلاثة عوامل: المخاوف الأمنية الناتجة عن الحرب، والقيود الإدارية والجمركية، وارتفاع تكاليف نقل البضائع.
وبينما تسعى السلطات السودانية إلى تخفيف بعض القيود على الاستيراد، وتؤكد مصادر مصرية أن إجراءات قسطل مؤقتة، لا يزال التجار ينتظرون استئناف عبور الشاحنات بصورة منتظمة، وإنهاء حالة عدم اليقين التي تعطل التعاقدات وتربك حركة الأسواق.
وتتطلب معالجة الأزمة تنسيقًا واضحًا بين الجانبين بشأن إجراءات المعابر، وآليات تسليم الشحنات، وضمانات سلامة السائقين، ومواعيد استئناف النقل، إلى جانب مراجعة القيود التي تعطل دخول السلع الأساسية.
فاستمرار الأزمة لا يقتصر أثره على خسائر المصدرين أو تأخر الشحنات، بل يمتد إلى أسعار السلع وتوافرها، خصوصًا في سوق سودانية تعاني بالفعل من تداعيات الحرب وتراجع الإنتاج وارتفاع تكاليف المعيشة.
وبين المصالح الاقتصادية المشتركة والمخاطر الأمنية، تبقى عودة التجارة البرية إلى طبيعتها مرهونة بقدرة القاهرة والخرطوم على تحويل الاتصالات والقرارات المعلنة إلى إجراءات عملية تضمن انسياب البضائع وتحمي العاملين في النقل من المخاطر.