إعلانات الأدوية على مواقع الانترنت والفضائيات أصبحت ظاهرة تهدد صحة المصريين خاصة فى ظل غياب الرقابة وتجاهل حكومة الانقلاب لهذه الإعلانات رغم التداعيات الكارثية التى تسببها .
وبينما يبحث المريض عن بصيص أمل يخفف معاناته، تتشكل أمامه صورة تسويقية تبدو مقنعة، لكنها قد تخفى وراءها منتجًا مجهول المصدر أو ادعاءات علاجية لا تستند إلى دليل علمى موثوق.
وتتضاعف خطورة هذه الممارسات عندما لا يكتفى الإعلان بالمبالغة فى وصف المنتج، بل يستعين بحسابات تروّج له بكثافة، وتعليقات تمدح نتائجه، وشهادات تبدو واقعية رغم صعوبة التحقق من أصحابها وتجاربهم.
ومع تطور أدوات الذكاء الاصطناعى، لم يعد المحتوى المضلل يقتصر على الصور الدعائية والعبارات المبالغ فيها، بل بات من الممكن إنتاج شهادات مصطنعة ومقاطع صوتية ومرئية توحى بأن أطباء أو مرضى يؤيدون منتجات لم يثبتوا فاعليتها أو لم يعلنوا عنها أصلًا.
وهكذا تتحول الرغبة المشروعة فى التعافى وتحسين المظهر فى زمن الانقلاب إلى مدخل للاستغلال، فى سوق رقمية تختلط فيها المعلومات الطبية بالدعاية التجارية، ويصبح التمييز بين الحقيقة والادعاء أكثر صعوبة.
تساقط الشعر
فى هذا السياق قالت منى، 32 عامًا، إنها كانت تبحث عن حل لمشكلة تساقط الشعر التى أثرت فى مظهرها وثقتها بنفسها .
وأشارت إلى أن إعلانا عن مستحضر يعد بنتائج سريعة ، مدعومًا بصور قبل الاستخدام وبعده وتعليقات تشيد بفاعليته، دفعها إلى التفكير فى شراء المنتج، لكنها لم تجد التحسن الذى كانت تنتظره.
وكشف أحمد، 38 عامًا، أنه كان يبحث عن وسيلة تساعده على إنقاص وزنه بعد محاولات متكررة لم تحقق النتائج التى يرجوها .
وقال إنه خلال تصفحه مواقع التواصل الاجتماعى، جذبه إعلان عن منتج للتخسيس يروّج لنتائج ملحوظة خلال فترة قصيرة، بينما بدت التعليقات المصاحبة وكأنها تجارب متطابقة لمستخدمين حققوا أهدافهم بسهولة، مشيرًا إلى أنه جرب المنتج لكنه لم يحقق النتائج التى ذكرت فى الإعلانات.
حب الشباب
وفى مجال العناية بالبشرة، كانت سارة، 26 عامًا، تبحث عن وسيلة للتخلص من حب الشباب وآثاره، حين شاهدت إعلانًا عن كريم يعد ببشرة صافية خلال أيام، وظهرت فى الإعلان صور لنتائج وتعليقات تشجع على الشراء، دون معلومات عن مكونات المستحضر ومدى ملاءمته لنوع بشرتها، مؤكدة أنها لجأت إلى استخدام الكريم للتخلص من آثار الحبوب لكن ساءت حالة بشرتها ولم يحدث أى تحسن.
أيضا تنتشر إعلانات كريمات علاج العظام وخشونة الركبة والانزلاق الغضروفى على الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعى، حيث يستخدم المعلنون أشخاصًا يدّعون أن هذا الكريم كان سببًا فى علاجهم، وهو ما أغرى إيمان السيد لتجربة أحد هذه المستحضرات مقابل 800 جنيه دفعتها للشركة، وبعد فترة من استخدام المستحضر لم تتحسن حالتها بل ساءت أكثر.
تجارب سريرية
من جانبه أكد الدكتور محمد أسامة حسين، عميد معهد القلب القومى السابق أن اعتماد الأدوية وطرحها فى الأسواق يخضعان لمراحل من الدراسات والتقييمات العلمية للتأكد من أمانها وفاعليتها، مشيرًا إلى أن الجهات التنظيمية المختصة، مثل هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) والجهات الأوروبية المعنية، تضع ضوابط لتقييم الأدوية قبل تداولها.
وأوضح حسين فى تصريحات صحفية أن تطوير الدواء يمر بمراحل متعددة من التجارب السريرية، تبدأ بالمرحلة الأولى وتمتد حتى المرحلة الرابعة، التى تشمل متابعة الدواء بعد طرحه فى الأسواق، لافتًا إلى أن ظهور معلومات جديدة عن مخاطر أى دواء قد يؤدى إلى تقييد استخدامه أو سحبه من التداول حتى بعد اعتماده.
وانتقد الترويج لأدوية أو مستحضرات اعتمادًا على تجارب فردية يدّعى أصحابها تحسن حالتهم بعد استخدامها، ثم نشر هذه التجارب عبر الإنترنت باعتبارها دليلًا على فاعلية المنتج.
وشدد حسين على أن تحسن حالة شخص بعد تناول مستحضر لا يُعد دليلًا علميًا كافيًا على فاعليته أو سلامته، ولا يبرر التوصية به للآخرين مطالبا بمواجهة هذه الممارسات بحزم من جانب الجهات المعنية.
ودعا المواطنين إلى عدم الانسياق وراء الادعاءات العلاجية غير الموثقة، وعدم استخدام الأدوية أو التوقف عن العلاج الموصوف طبيًا بناءً على تجارب منشورة على الإنترنت دون الرجوع إلى الطبيب المختص.
حملات رقمية
كشف خبير مكافحة الجرائم الإلكترونية الدكتور محمد محسن رمضان، ، أن الإعلانات الطبية المضللة تطورت فى بعض صورها إلى حملات رقمية منظمة تعتمد على الحسابات الوهمية والتلاعب بالتفاعلات، لإيهام المواطنين بفاعلية منتجات تُسوّق لعلاج أمراض خطيرة أو حل مشكلات الشعر والبشرة.
وقال رمضان فى تصريحات صحفية إن بعض هذه الحملات تستخدم حسابات متعددة لنشر تجارب شفاء مزعومة، وتكرار التعليقات الإيجابية، والرد على المشككين، بما يخلق انطباعًا زائفًا بنجاح المنتج ويدفع المستهلك إلى شرائه دون التحقق من سلامته.
وشدد على أن كثرة المتابعين والإعجابات وشهادات المستخدمين لا تمثل دليلًا على الفاعلية الطبية، محذرًا من أن هذه الإعلانات قد تدفع المرضى إلى تأجيل العلاج المناسب أو التوقف عن الأدوية الموصوفة بحثًا عن نتائج سريعة.
وأشار رمضان إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعى أتاحت إنتاج صور وشهادات ومقاطع صوتية ومرئية تبدو واقعية، وقد تُستخدم تقنيات التزييف العميق لانتحال شخصية طبيب أو شخصية عامة وإيهام الجمهور بتأييد منتج لم يعلن عنه صاحبه.
الرجوع إلى الطبيب
وأضاف أن هذه التقنيات تساعد على إنتاج إعلانات متعددة تستهدف فئات مختلفة، بما يزيد صعوبة اكتشاف المحتوى المضلل، مشددا على أن إثبات استخدام الذكاء الاصطناعى يتطلب فحصًا فنيًا، ولا يمكن الاعتماد على المظهر وحده للحكم على صحة الصور أو الفيديوهات.
وأوضح رمضان أن كشف الحملات المضللة يعتمد على تحليل أنماط النشر والتفاعلات والروابط والمواد الإعلانية، إلى جانب البحث عن المصدر الأصلى للصور والفيديوهات، وتوثيق المنشورات والمراسلات وبيانات المعاملات ذات الصلة.
وحذر من الانسياق وراء الوعود بالشفاء النهائى أو النتائج المضمونة، مشددا على ضرورة التحقق من مصدر المنتج ووضعه التنظيمى، والرجوع إلى الطبيب أو الصيدلى المؤهل قبل استخدامه، وعدم إيقاف الأدوية الموصوفة أو استبدالها بمنتجات يروج لها عبر الإنترنت دون استشارة الطبيب المعالج.