لا تتوقف المقارنة بين جورج سمير حلمي وعبد الرحمن السيد عند كون الأول قبطياً والثاني مسلماً، أو عند أسبقية أحدهما في الوصول إلى مجلس الشيوخ الأمريكي، فهناك جانب سياسي أكثر أهمية يتعلق بموقف كل منهما من "إسرائيل"، وطبيعة علاقته بها، والخطاب الذي تبناه تجاه الحرب على غزة.
فجورج سمير حلمي لم يخفِ دعمه لـ"إسرائيل"، بل أعلن بوضوح اعتقاده بأنها حليف أساسي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وأن لها الحق في الوجود والدفاع عن نفسها.
وفي تصريحات رسمية بمناسبة الذكرى الأولى لهجمات السابع من أكتوبر، في 7 أكتوبر 2024، قال حلمي: "Israel is a critical ally in the Middle East and I firmly believe she has the right to defend herself in accordance with international humanitarian laws and norms."
أي أنه وصف إسرائيل بأنها حليف أساسي في الشرق الأوسط، وأكد اعتقاده بحقها في الدفاع عن نفسها وفقاً للقانون الإنساني الدولي.
كما أكد إدانته الشديدة لهجمات حماس في السابع من أكتوبر، ودعا إلى دعم إسرائيل، بالتوازي مع المطالبة بوقف التصعيد وتوفير المساعدات الإنسانية للفلسطينيين واللبنانيين.
ولم يقتصر الأمر على التصريحات العامة؛ ففي مقابلة مع صحيفة New Jersey Globe بتاريخ 22 نوفمبر 2024، تحدث حلمي عن ضرورة دعم تل ابيب في مواجهة التهديدات
الأمنية، وأوضح أنه صوّت ضد وقف بعض صفقات الأسلحة الأمريكية لتل ابيب، بينما صوّت لصالح وقف صفقة قذائف الهاون، التي رأى أنها قد تتسبب في سقوط ضحايا مدنيين في غزة.
وهذا يكشف عن موقف سياسي مركب: دعم لإسرائيل ومساعدتها العسكرية، مع تحفظات محددة على بعض أنواع التسليح وعلى إدارة الأزمة الإنسانية.
https://newjerseyglobe.com/congress/an-interview-with-george-helmy/
وذرا للرماد في العيون، ألقى "حلمي" كلمة في مجلس الشيوخ (خلال الـ90 يوما التي كان فيها عضوا معينا) تحدث فيها عن حجم الخسائر البشرية في غزة، وانتقد القيود "الإسرائيلية" على دخول المساعدات الإنسانية، ووصف الوضع الإنساني بأنه "غير مقبول"!
لكن النقطة الأساسية التي ينبغي ألا تغيب عند المقارنة هي أن حلمي أعلن صراحة دعمه للكيان الصهيوني باعتبارها حليفاً استراتيجياً، بينما ارتكز الخطاب السياسي لعبد الرحمن السيد خلال حملته الانتخابية على انتقاد الكيان الصهيوني وطالب بوقف المساعدات العسكرية الأمريكية لها.
التعيين ليس انتخاباً
وأعاد الجدل الذي أثاره رجل الأعمال القبطي نجيب ساويرس وبعض الإعلاميين المحسوبين على سلطات الانقلاب بشأن وصول عبد الرحمن السيد إلى مجلس الشيوخ الأمريكي فتح ملف المقارنة بينه وبين جورج سمير حلمي، الذي شغل مقعد ولاية نيوجيرسي في المجلس عام 2024.
لكن المقارنة المتداولة تتجاهل فارقاً جوهرياً: حلمي لم يصل إلى المجلس عبر انتخابات شعبية، وإنما عُيّن مؤقتاً من حاكم ولاية نيوجيرسي لشغل المقعد الذي خلا بعد استقالة السيناتور روبرت «بوب» مينينديز. وقد شغل حلمي المقعد من سبتمبر إلى ديسمبر 2024، قبل أن يخلفه السيناتور المنتخب آندي كيم.
أما عبد الرحمن السيد، فقد خاض معركة انتخابية وفاز بأصوات الناخبين، وهو ما يجعل المقارنة بين الحالتين دون توضيح اختلاف طريقة الوصول إلى المجلس وطبيعة العضوية مقارنة غير مكتملة.
بوب مينينديز.. حلقة يغيبها ساويرس
لكن الجانب الأكثر أهمية في هذه القضية لا يتعلق فقط بالفارق بين التعيين والانتخاب، وإنما بالشخص الذي أدى سقوطه إلى خلو المقعد أصلاً: السيناتور الأمريكي السابق بوب مينينديز.
فمينينديز، الذي كان يشغل رئاسة لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي، أُدين في قضية فساد والرشى تضمنت تلقي أموال وسبائك ذهب وسيارة فاخرة، مقابل تقديم خدمات ومصالح، من بينها العمل لمصلحة الحكومة المصرية وتقديم معلومات حساسة لمسئولين مصريين. وفي يناير 2025، صدر بحقه حكم بالسجن لمدة 11 عاماً.
وكان وائل حنا، صاحب شركة توريد اللحوم الحلال المرتبطة بالقضية، أحد الأسماء المحورية في التحقيقات والمحاكمة، التي كشفت عن العلاقة بين المصالح التجارية والرشاوى والنفوذ السياسي، وغاب عن ساويرس الدعوة لإطلاقه باعتباره ارثوذكسيًا أيضا كما فعل مع جورج حلمي.
وهنا يبرز سؤال مهم: إذا كان ساويرس ومن يشاركونه الحديث عن حقوق الإنسان والمواطنة والتمثيل المصري في المؤسسات الأمريكية مهتمين بالفعل بالسياق السياسي، فلماذا يغيب مينينديز عن روايتهم؟
فالقضية لم تكن مجرد انتقال مقعد من سيناتور إلى آخر، وإنما قضية فساد ارتبطت فيها الحكومة المصرية باتهامات تتعلق بتقديم الرشى واستغلال النفوذ السياسي الأمريكي.
سؤال أمام أبواق النظام
كتب نظام المهداوي @NezamMahdawi، متسائلاً عن غياب المقارنة الصحيحة في خطاب الإعلاميين المؤيدين للنظام: "لم يخرج بوق واحد من أبواق #السيسي ليسأل: لماذا لم يحظَ جورج سمير حلمي، الذي عُيّن عضوًا في مجلس الشيوخ الأمريكي عام 2024، بالضجة نفسها التي حظي بها عبد الرحمن السيد، الذي انتخبه الشعب؟".
وأضاف المهداوي أن سبب تعيين حلمي كان سقوط السيناتور بوب مينينديز، قبل أن يذكّر بحكم السجن الصادر بحق الأخير على خلفية تلقي رشى شملت أموالاً وسبائك ذهب وسيارة فاخرة، مقابل خدمات من بينها العمل لمصلحة الحكومة المصرية.
وأشار إلى أنه لن يتحدث عن الفرق بين التعيين وتحدي عبد الرحمن السيد للوبي الصهيوني «إيباك»، الذي أنفق نحو 31 مليون دولار في الانتخابات التمهيدية دعماً لمنافسته وضده، ولا عن خطابه الذي ظل يندد بجرائم إسرائيل ويطالب بوقف المعونات العسكرية لها.
وختم بالإشارة إلى أن خصوم عبد الرحمن السيد يقدمونه باعتباره خطراً على نظام السيسي، بسبب مواقفه المعلنة من النظام المصري.
https://x.com/NezamMahdawi/status/2118799850934530525
بالتعيين وليس بالانتخاب
وكان الذراع المتخصص في "التخفيض اللفظي" لسعر الدولار يوسف الحسيني @YAlhosseiny قد كتب: "بالمناسبة ؛ عبد الرحمن السيد ( الاخواني) ووالدته الإخوانية وحماه الاخواني مش اول مصري في الكونجرس. . سنة ٢٠٢٤ الدكتور چورچ سمير حلمي هو اول أمريكي مصري يصل إلى الكونجرس.. لكن دعاية الاخوان ووقوفهم جنب ابن تنظيمهم الإرهابي صنعت أسطورة عبدول الاخواني اللي بيكره مصر والمصريين»… لكن الردود على تغريدته أعادت النقاش إلى النقطة الأساسية المتعلقة بالفرق بين التعيين والانتخاب.
فكتب حساب @AljabariBashar: "الأول انه منتخب وليس تعيينًا مؤقتًا .. الثاني انه اول مسلم .. جورج سمير ليس مسلمًا وليس منتخبًا، فيعني بتجيب سيرته بالموضوع ليه؟ .. جورج سمير تم تعيينه من حاكم الولاية وليس في انتخابات".
وأضاف أن حلمي شغل المقعد لفترة قصيرة، بينما يفترض أن يشغل المنتخب عضويته لمدة دستورية كاملة.
https://x.com/AljabariBashar/status/2118792240193507634
ومن جانبها، كتبت إيناس كريمة @EnassKarimeh: "صحيح أن جورج حلمي الأميركي من أصول مصرية قد سبق عبد الرحمن السيد إلى مجلس الشيوخ الأميركي عام 2024، لكن يبدو أن البعض نسي أن حلمي لم يفز بأي انتخابات، بل دخل المجلس بقرار تعيين مؤقت في سبتمبر 2024 وغادره في ديسمبر من العام نفسه، يعني بعد أقل من ثلاثة أشهر! أما عبد الرحمن، فقد خاض معركة انتخابية وفاز بأصوات الناخبين".
جوهر المسألة
وكتب الدكتور رامي عزيز @dr_z001:"نجيب ساويرس ملياردير، ولكنه جاهل…". وأضاف "أقرأ كثيرًا من المغالطات حول "جورج حلمي"، فحلمي تم اختياره أو تعيينه في عام ٢٠٢٤ لإكمال فترة السيناتور "بوب مينينديز" الذي كان يشغل منصب رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، والذي حكم عليه بالسجن لمدة ١١ عام، بسبب تورطه بقضايا فساد وإحتيال والعمل لدولة أجنبية، بعد تلاقيه رشاوي من نظام السيسي. فحلمي لم يترشح للانتخابات في نوفمبر الجاري".
https://x.com/dr_z001/status/2118539869945282811
أما أحمد دهشان @ahmdahshan، فكتب: "لا حول ولا قوة إلا بالله! .. بكل بساطة لأن جورج سمير حلمي، دخل مجلس الشيوخ الأمريكي بالتعيين، وليس بالانتخاب، وكان تعيينه مؤقتا لتمثيل ولاية نيوجيرسي، في ظروف استثنائية مرتبطة بقضية فساد السيناتور الأمريكي روبرت مينينديز، الذي تم عزله، وخلو مقعد الولاية فالدستور بيدي حاكم الولاية تعيين شخص بشكل مؤقت لحين شغله من عضو منتخب".
وأضاف أن حاكم الولاية اختار جورج لشغل المقعد لنحو 90 يوماً، وأن وجوده في المجلس لم يكن مماثلاً لوجود عضو منتخب لمدة دستورية كاملة.
https://x.com/ahmdahshan/status/2118760325679825158
كما نشر المجلس الثوري المصري @ERC_egy توضيحاً جاء فيه: "جورج سمير حلمي أول قبطى من أصل مصري يدخل كعضو مؤقت في مجلس الشيوخ الأمريكي بعد تعيينه (لم ينتخب) منذ عامين من قبل حاكم الولاية بدلاً من للسناتور بوب منينديز الذي حكم عليه بالسجن لمدة ١١ عام بتهم فساد هو وزوجته ومنها تلقيه رشاوى وسبائك ذهب وسيارة مرسيدس من نظام #السيسي".
https://x.com/ERC_egy/status/2118418667520307623
مواقف جورج حلمي من إسرائيل؟
وأعاد الدكتور مراد علي @mouradaly طرح أسئلة تتجاوز مجرد أسبقية الوصول إلى مجلس الشيوخ، وكتب: "مؤيدو النظام المصري منذ الأمس يرددون أسطوانة أن جورج سمير حلمي كان عضوا في الكونجرس عام 2024!..أن نكتشف الآن أن كان لنا كمصريين عضواً في الكونجرس، والبيه لم يلحظه أحد، فتلك مصيبة تدينه!.. عبدالرحمن السيد الذي لا تحبونه، خطابه الأساسي ضد إسرائيل، فماذا عن خطاب جورج؟.. هل دافع عن قضايا مصر؟.. هل انتقد إسرائيل؟.. هل له أي تصريح أو موقف إيجابي؟.. الرجل وجوده كان مثل عدمه، إن لم يكن أسوأ".
وتكتسب هذه الأسئلة أهمية عند وضعها بجانب تصريحات حلمي المعلنة التي أكد فيها دعمه لإسرائيل واعتبرها حليفاً أساسياً للولايات المتحدة في المنطقة، مع إعلانه في الوقت نفسه انتقاد القيود على المساعدات الإنسانية إلى غزة.
خلفيات الخطاب الحقوقي
وفي موازاة ذلك، كتب إبراهيم عيسى @Ibrahim_3eissa: "..لماذا نهتم بعبد الرحمن أول مصري مسلم في الشيوخ وننسي جورج أول مصري قبطي في المجلس؟".
وهو طرح يعيد القضية إلى زاوية الهوية الدينية، دون أن يجعل الفارق بين العضوية المنتخبة والعضوية المعينة مؤقتاً أساساً للمقارنة. وتتجاوز التساؤلات المطروحة هذه الواقعة إلى خلفيات الخطاب الحقوقي والسياسي المرتبط بمؤسسة ساويرس، وعلاقات بعض المشاركين في المبادرات الحقوقية التي نظمتها المؤسسة مع مؤسسة فريدريش ناومان، والتي سبق أن شارك فيها إبراهيم عيسى، وكانت زوجته تشرف عليها، وفق المعلومات المتداولة بشأن تلك المبادرات.
وهنا يبرز سؤال عن مدى اتساق الخطاب الحقوقي المعلن مع المواقف السياسية الفعلية من قضايا حقوق الإنسان، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالحكومة المصرية ودورها في قضية مينينديز.
التاريخ الأوسع للعرب في مجلس الشيوخ
وفي سياق النقاش حول أسبقية الأمريكيين من أصول عربية في مجلس الشيوخ، استحضر موفق طيب @DrLunar تجربة السيناتور السابق جيمس أبو رزق، الذي مثّل ولاية ساوث داكوتا، وكان من أبرز المدافعين عن الحقوق الفلسطينية خلال وجوده في المجلس.
وكتب أن أبو رزق نظم جلسات استماع تاريخية في الكونغرس بشأن السياسات "الإسرائيلية" واستعمار الضفة الغربية، واستضاف شهوداً فلسطينيين، من بينهم فوزي الأسمر.
كما أشار إلى تأسيس أبو رزق اللجنة العربية الأمريكية لمناهضة التمييز ADC عام 1980، لتكون مؤسسة سياسية وحقوقية تدافع عن العرب الأمريكيين والقضايا العربية، وفي مقدمتها فلسطين ولبنان.
وتعيد هذه الإشارة النقاش إلى ضرورة التمييز بين مجرد الوصول إلى منصب سياسي أمريكي، وبين طبيعة المواقف التي يتبناها صاحبه، وما يقدمه فعلياً من مواقف تجاه القضايا العربية والفلسطينية.