أثارت تصريحات وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكي روبرت إف. كينيدي الابن، بشأن العرب والمسلمين، موجة من الانتقادات، بعدما زعم أن العرب، رغم بلوغ عددهم نحو 500 مليون نسمة، لا ينتجون العلوم ولا يفوزون بجوائز عالمية كبرى، ولا يقدمون أدباً يُذكر.
وجاءت هذه التصريحات، خلال فعالية انتخابية للحزب الجمهوري في مدينة غراند رابيدز بولاية ميشيغان، في سياق الحديث عن جماعة الإخوان المسلمين واتهام ترامب ووزرائه للمرشح الديمقراطي عبد الرحمن السيد ذي الأصول المصرية بالانتماء لها.
ولم تقتصر الردود على النشطاء العرب، بل امتدت إلى شخصيات أمريكية من عائلة كينيدي نفسها، وفي مقدمتها شقيقته كيري كينيدي، التي انتقدت تصريحات أخيها علناً، مستعيدة مواقف سابقة له حذّر فيها من استغلال السياسيين للتعصب والكراهية والخوف من الأجانب.
وتبرز في هذا السجال أيضاً شهادة الدكتور أنور عبيدات، وهو أردني مسيحي، تحدث عن تجربته الشخصية في العيش المشترك مع المسلمين في الأردن، رافضاً توظيف الجرائم الإرهابية لتأليب المسيحيين على المسلمين.
كيري كينيدي.. شقيقة الوزير
وفي موقف لافت، انتقدت كيري كينيدي @KerryKennedyRFK شقيقها روبرت إف. كينيدي الابن، مؤكدة أن العرب والمسلمين قدموا إسهامات استثنائية في العلوم والرياضيات والطب والأدب، وأن الهوية العرقية والدينية لا تحدد مستوى الذكاء أو الإبداع.
وجاء في الترجمة العربية المتداولة لتدوينتها: "كان هناك وقت أتفق فيه تمامًا مع أخي. أما اليوم، فأنا أشعر بخجل شديد منه.
لقد قدّم العرب والمسلمون على حد سواء إسهامات استثنائية للعالم في مجالات الأدب والعلوم والرياضيات والطب، وغيرها من المجالات التي لا تُحصى".
واستشهدت كيري بالعالم عمر م. ياغي، الذي فاز بجائزة نوبل في الكيمياء عام 2025، وبالعالم المصري أحمد زويل، الفائز بالجائزة عام 1999، والأديب المصري نجيب محفوظ، الحاصل على نوبل في الأدب عام 1988. كما أشارت إلى فوز ياغي بجائزة وولف في الكيمياء عام 2018.
وأضافت في رسالتها: "إن عِرق الإنسان أو دينه أو أصله الإثني أو خلفيته الاجتماعية والاقتصادية لا تحدد مستوى ذكائه أو إبداعه أو قدرته على الإسهام في خدمة الإنسانية". واختتمت موقفها بالقول: "قلبي مع جميع الذين آذتهم تصريحات أخي الكاذبة والقاسية والمهينة".
واستعادت كيري كذلك تصريحاً سابقاً لأخيها، يعود إلى 5 أغسطس/آب 2016، قال فيه إن أسهل ما يمكن أن يفعله الزعيم السياسي هو استغلال التعصب والكراهية والخوف من الأجانب، ثم الإشارة إلى المختلفين عنه واتهامهم بتدمير البلاد.
https://x.com/KerryKennedyRFK/status/2115188671003623763
الدكتور أنور عبيدات.. مسيحي أردني يرفض زرع العداء بين المسلمين والمسيحيين
وفي تدوينة مطولة نُشرت في 27 أكتوبر، قدّم الدكتور أنور عبيدات شهادة شخصية عن تجربته بوصفه أردنياً مسيحياً يعيش في مجتمع ذي غالبية مسلمة، رافضاً محاولات تصوير المسلمين باعتبارهم أعداء للمسيحيين، أو الخلط بين الدين الإسلامي والتطرف والإرهاب.
واستهل عبيدات @DrObeidat تدوينته بالقول: "سأقول كلمة حق قد لا تعجب البعض… ولكن السكوت عنها أصبح خطيئة بحق هذا الوطن".
ثم أوضح أن تجربته الشخصية تقوم على علاقات اجتماعية وإنسانية ممتدة مع مسلمين أردنيين، مستشهداً بمواقف المساندة التي وجدها من أصدقائه وجيرانه، حتى في الظروف الصحية والعائلية الصعبة.
وكتب: "لم يطلب مني أحد أن أترك مسيحيتي حتى أكون واحدا منهم، ولم أحتج أن أتنازل عن إيماني حتى أكون أخا لهم".
وانتقل إلى رفض الخلط بين الإرهاب والإسلام والتدين، قائلاً:" إن الإرهاب عدو للمسلم قبل المسيحي، وعدو للأردن قبل الجميع، وإن الجرائم التي يرتكبها المتطرفون لا ينبغي أن تتحول إلى اتهام جماعي لدين بأكمله".
ومن أبرز ما جاء في التدوينة: "أنا كمسيحي شرقي أفضل أن أعيش في مجتمع إسلامي محافظ يحترم الدين والأسرة والقيم، على أن أعيش في مجتمع فقد احترامه لهذه المعاني، حتى لو كان مسيحيا بالاسم".
وأضاف: "منذ نحو 1400 عام، ومع مجيء الإسلام إلى هذه الأرض، كان المسلمون أصحاب القوة والسلطة، ولم تكن هناك أمم متحدة ولا مواثيق دولية لحقوق الإنسان ولا مؤسسات دولية تحمي الأقليات. ولو كانت العلاقة بيننا قائمة على الإبادة وإلغاء الآخر، لما بقي لنا وجود متجذر حتى اليوم".
واختتم رسالته بالتأكيد على الهوية الوطنية المشتركة: "أنا مسيحي بإيماني، أردني بانتمائي، والمسلم الأردني أخي، لا أحتاج إلى من يعلمني كيف أحبه أو كيف أثق به".
واختتم بالقول: "الأردن ليس ساحة لصراع الأديان… الأردن وطن، ومن يزرع الفتنة فيه لا يدافع عن دين، بل يطعن وطنا".
https://x.com/DrObeidat/status/2115092170562576811
وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من كونها موقفاً شخصياً معلناً ضد التحريض الطائفي، وليست رداً مباشراً موثقاً على كينيدي بالضرورة. كما أن الاستشهاد بها هنا يأتي في سياق أوسع يرفض تعميم الأحكام على الشعوب والأديان.
ادعاءات كينيدي
وتناقلت عدة حسابات ما زعمه وزير ترامب للشئون الصحية و"الانسانية" : "هناك 500 مليون عربي في العالم، ومع ذلك فإنهم لا ينتجون شيئاً. إنهم لا يفوزون بجائزة نوبل… ولا ينتجون أدباً. لقد كانوا ينتجون في السابق. لقد كانوا الأوائل في صناعة الكتب!".
وتابع "لقد دُمر هذا التقليد بأسره من قبل جماعة الإخوان المسلمين، لقد أنشأوا مجتمعات راكدة تتغذى على الكراهية، والحرب، وشعور الضحية".
وادعى كينيدي أنه "كانت مصر بلداً مسيحياً. وكانت ليبيا بلداً مسيحياً. وكانت الجزائر بلداً مسيحياً. وكان العراق بلداً مسيحياً. وكان لبنان بلداً مسيحياً في عام 1948".
ويجمع هذا المقطع بين مسألتين مختلفتين: الادعاء بأن العرب لا يحققون إنجازات علمية وأدبية، والحديث عن التحولات التاريخية والديموغرافية التي شهدتها المجتمعات المسيحية في المنطقة.
أما بشأن الجوائز العلمية، فإن الادعاء المطلق بعدم فوز العرب بجائزة نوبل يتعارض مع سجلات الجائزة نفسها. ومن الأمثلة المعروفة أحمد زويل في الكيمياء عام 1999، ونجيب محفوظ في الأدب عام 1988، وتوكل كرمان في السلام عام 2011، وعمر ياغي في الكيمياء عام 2025.
https://x.com/tamerqdh/status/2115159884719435954
وزير أمريكي شتم العرب قاطبة
واعتبر الكاتب والمحلل السياسي ياسر الزعاترة تصريحات كينيدي، إهانة جماعية للعرب، مستنداً إلى حجم الإسهامات العربية في الولايات المتحدة والغرب، وليس فقط إلى الإنجازات المحققة داخل البلدان العربية.
وكتب في تدوينته عبر @YZaatreh: "عن الوزير الأمريكي الحقير الذي شتم العرب قاطبة.. لو سأل هذا التافه […] دوائر دولته عن عدد المُبدعين من العرب الذين يعملون في أمريكا وحدها، وليس في الغرب كله، أو في بلدانهم الأصلية، لأدرك أنه عنصري حقير وكاذب لا يستحق غير الاحتقار".
وأعتبر أنه "أما الإيجابي في الموجة المذكورة فيتمثل في دفعها العرب والمسلمين نحو مزيد من الفعل والنشاط".
مفارقة استخدام الإخوان لتخويف الخصوم
وتناول الكاتب والصحفي أحمد دعدوش التوظيف السياسي المتكرر لاسم جماعة الإخوان المسلمين، مشيراً إلى المفارقة بين الحديث عن الجماعة باعتبارها تهديداً وشيكاً، وبين ما وصفه بتراجع مؤسساتها وتشتت أعضائها وملاحقة قياداتها في عدد من البلدان.
وكتب @ahmad_dadoosh ".. ترمب: عبدول السيد من الإخوان المسلمين وهو خطر على الأمن القومي… نتنياهو: اليسار الإسرائيلي متحالف مع الإخوان ضدي وإذا لم تنتخبوني ستستيقظون على حكومة من الإخوان المسلمين".
ثم تابع: "قادة الإخوان يموتون ببطء في سجون السيسي وابن زايد وابن سلمان وقيس سعيد، وشباب الإخوان تفرّقوا في قارات العالم، وكل مؤسسات الإخوان وشركاتهم ووسائل إعلامهم فُككت ومُسحت من الوجود، وما زال قادة العالم في الشرق والغرب يُفزعون خصومهم من "بعبع الإخوان المسلمين" الذي سيبتلع الكوكب!"
واختتم بسؤال ساخر: "أي قوة كامنة في هذا "الإسلام السياسي" الذي لم يتحرك بعد؟!".
https://x.com/ahmad_dadoosh/status/2115277642027221497
جو سكاربورو.. استحضار إرث روبرت كينيدي الأب
ونقل ناشطون مسلمون امريكيون موقف الإعلامي الأمريكي جو سكاربورو، مقدم برنامج «مورنينغ جو»، الذي عبّر، وفق التدوينة، عن صدمته من تصريحات روبرت كينيدي الابن بشأن العرب والمسلمين.
واستحضر سكاربورو مكانة والده روبرت كينيدي، الذي ألهمه دخول عالم السياسة، مشيرة إلى إيمانه بأن قوة الولايات المتحدة تكمن في تنوعها وتجاوز التعصب الديني والعرقي.
وقال الأعلامي الامريكي: "يصعب عليّ حتى تخيّل حجم الخجل الذي كان سيشعر به لو رأى ابنه اليوم وهو يهين أكثر من مليار إنسان بسبب دينهم".
https://x.com/SamarDJarrah/status/2115450972302430556
وعرض جمهوريون مبلغ 200 دولار على من يطرح سؤالًا محرجًا على المرشح الأمريكي المسلم عبدالسيد. وكان السؤال الأخير عن جماعة الإخوان المسلمين؟
وأضافت أن رد السيد حصد ملايين المشاهدات، وأن صاحب الحساب اكتشف، أن السائل ينتمي إلى جماعة يمينية أمريكية ولا علاقة له بالمنطقة الانتخابية التي يترشح فيها السيد.
وبالمقابل تشير سمر الجراح @SamarDJarrah إلى قضية الإخوة ألكسندر الثلاثة، تال وأورين وألون، وما نسب إليهم من جرائم جنسية. وجاء فيها: "ولا حس ولا خبر انهم يهود ولهم صلة وثيقة بالكيان الصهيوني".
ثم نقلت التدوينة المفارقة بخبر عن الحكم على الإخوة بالسجن 30 عاماً لكل منهم، بعد إدانتهم بجرائم الاتجار الجنسي والاغتصاب والاعتداء الجنسي، مع الإشارة إلى ضحايا قاصرات.
https://x.com/SamarDJarrah/status/2115189401063936205
وتُظهر الأمثلة التي استشهدت بها كيري كينيدي وغيرها من الردود أن التعميم القائل إن العرب لا يفوزون بجوائز عالمية أو لا ينتجون أدباً وعلماً لا يصمد أمام الوقائع الموثقة.
فقد فاز أحمد زويل بجائزة نوبل في الكيمياء عام 1999، ونجيب محفوظ بجائزة نوبل في الأدب عام 1988، وتوكل كرمان بجائزة نوبل للسلام عام 2011، فيما نال عمر ياغي جائزة نوبل في الكيمياء عام 2025. كما أن جائزة وولف في الكيمياء مُنحت لعمر ياغي عام 2018.
أما تاريخ المسيحيين العرب، فلا يمكن اختزاله في سردية واحدة عن الطرد أو الاضطهاد أو التعايش، فقد شهدت المنطقة تحولات سياسية ودينية وديموغرافية معقدة عبر قرون طويلة، وتختلف تجارب المسيحيين من بلد إلى آخر ومن حقبة تاريخية إلى أخرى.
مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR)، ومنظمات حقوقية، والسيناتور الديمقراطي كريس مورفي، أدانوا تصريحات كينيدي.