شهدت الساحة الدعوية والتربوية في مصر والعالم الإسلامي رحيل علم من أعلامها البارزين، وأحد الرموز التاريخيين لجماعة الإخوان المسلمين في مدينة الإسكندرية، الأستاذ محمد عبد المنعم، عضو مجلس الشورى العام، عن عمر يُناهز 95 عاماً قضاها بين محاريب العلم، ومنابر الخطابة، وزنارين المحن، مخلفاً وراءه إرثاً دعوياً وثقافياً ومنهجاً فريداً في الخطابة والتربية ترك بصماته على أجيال متعاقبة.
وقد أعلن المركز الإعلامي – الإخوان المسلمون عبر حسابه الرسمي @mc_ikhwan نعي الجماعة واحتسابها للراحل الكبير الجمعة ٢ صفر 1448 هـ – 17 يوليو 2026 م
https://ikhwan.online/article/275313
وفي سياق متصل، أعلنت المنصات الإعلامية عن ترتيبات العزاء، حيث نشر حساب @watanegypt تفاصيل مجلس العزاء المقررة إقامته في تركيا تخليداً لذكراه والذي تقيمه الإخوان المسلمون ومجلس عزاء لعضو مجلس الشورى العام، وأحد رموز الدعوة في الإسكندرية بجمعية الحكمة بمنطقة الفاتح في إسطنبول، الأحد، 19 يوليو 2026 من الساعة السابعة (7:00) إلى الساعة التاسعة (9:00) مساءً.
والتحق الأستاذ محمد عبد المنعم بدعوة الإخوان المسلمين في عام 1950م، ورغم أنه لم يحظ بالتلمذة المباشرة على يد مؤسس الجماعة الإمام حسن البنا الذي اغتيل عام 1949م، إلا أنه تربى على أيدي الرعيل الأول وتلاميذه المباشرين، فتشرب المنهج الأصيل للدعوة، وأصبح لاحقاً واحداً من أهم القيادات التاريخية للمحافظة وعضواً في مجلس الشورى العام للجماعة، وعلى الصعيد الاجتماعي، كان متزوجاً من طبيبة (توفيت قبله) وله من الأبناء المهندس أحمد، والصيدلانية نهى.
وتميز الأستاذ محمد عبد المنعم بكاريزما خطابية فريدة وشخصية مركبة تجمع بين الجدية الصارمة والدعابة اللطيفة، وهو ما جعله نموذجاً للمربّي المؤثر الذي يجذب القلوب والعقول معاً، بناءً على شهادات تلاميذه ومحبيه، يمكن تفكيك أسلوبه وشخصيته في الحديث إلى عدة ركائز أساسية تعتمد على الفصاحة اللغوية ومخارج الحروف، والصوت الهادر والنبرة المؤثرة، والتوازن بين الوقار والسخرية اللطيفة (الأسلوب الشيق)، والصرامة الأبوية واحترام الوقت، ومدرسة الخطابة المختصرة والعميقة، حيث كان الراحل خطيباً بارعاً، فصيح اللسان، يمتلك ناصية اللغة العربية السليمة.
وكان المستمع لدروسه يستمتع بمخارج الحروف الدقيقة والنطق الصحيح دون تقعر أو تكلف أو تزيد. هذا الوضوح اللغوي أكسب خطابه مهابةً وجاذبيةً لدى مختلف الفئات الثقافية التي كانت تحرص على شهود مجالس علمه.
ووصفه رفقاؤه وتلاميذه، مثل القيادي إبراهيم زعفراني، بأنه كان صاحب "صوت يلهب به ظهور الظلمة"، فقد كان صوته قوياً معبراً يحمل طاقة إيمانية قوية، ولا يدع للمستمع فرصة للسهو أو التشتت، تبدأ دروسه دائماً بتلاوة خاشعة للقرآن الكريم يرددها الحاضرون خلفه، مما يضفي على المجلس روحانية خاصة يشعر معها الحضور بالسكينة والوقار.
لم يكن الأستاذ محمد عبد المنعم رجلاً جافاً، بل كان رجلاً وقوراً متوااعداً جاداً، يوصف بأنه "لم يكن يضحك ملء شدقيه"، ولكنه في ذات الوقت يمتلك أسلوباً ساخراً لطيفاً وشيقاً، كان يتبسط مع جلسائه ويُضحكهم بأسلوب يجعل المتلقي يضحك على نفسه وينفر من الخطأ الذي يرتكبه دون أن يشعر بالإحراج أو التجريح أمام الآخرين.
وفي التعامل مع الشباب والجيل الجديد، كان يعاملهم بجدية كاملة ويواجههم ككبار، ويحاسبهم بدقة على التأخر عن المواعيد المحددة ولو لدقائق معدودة، لكن هذه الصرامة لم تكن قسوة، بل كانت مواجهة الأب الرؤوف الذي يسعى لإقالة العثرات وبناء رجال قادرين على تحمل المسؤولية.
وكان رحمه الله مدرسة متميزة في الالتزام بوقت الخطبة، إذ كان يرفض تماماً أن تزيد خطبة الجمعة عن 20 دقيقة، ورغم هذا القصر الزمني، كانت كلماته عميقة، مركزة، ومشوقة، مستندة بشكل أساسي إلى إلمامه الواسع بالسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، اللذين كان مولعاً بهما ويسقطهما ذكياً على الواقع المعاصر، كما يُسجل له التاريخ الدعوي في الإسكندرية أنه كان أول خطيب يصلي خطبة صلاة العيد في الخلاء عام 1985م في منطقة سيدي جابر، وهو ما
شكل نقلة نوعية في العمل الدعوي الميداني آنذاك.
المحن وذكريات الاعتقال
وارتبطت حياة الأستاذ محمد عبد المنعم بسلسلة طويلة من المحن السياسية والاعتقالات التي طالت جماعة الإخوان المسلمين عبر عهود سياسية متعاقبة في مصر (عبد الناصر، السادات، ومبارك)، إلا أن مواقفه ظلت ثابتة لم تتغير.
وفي حوار قديم له يعود إلى السبت 7 أكتوبر 2006 م نُشر على موقع الإخوان الرسمي، تحدث الراحل عن ذكرياته المعتقلية، لا سيما في شهر رمضان المبارك، واصفاً الأجواء النفسية والإيمانية داخل السجون.
والاعتقال الأول والسنوات المتتالية، حيث قضى الراحل أول رمضان له داخل السجن الحربي في مايو 1955م، حيث انقطع التواصل تماماً مع الأهل (لا رسائل ولا زيارات)، ثم تكررت اعتقالاته ليقضي شهور رمضان لأعوام متتالية من 1965 إلى 1970م موزعة بين السجن الحربي، وسجن أبي زعبل، ومزرعة طرة.
وعن فرحة المصاحف في السجن الحربي، روى الأستاذ محمد عبد المنعم كيف أن إدارة السجن الحربي صادرت المصاحف من المعتقلين فور دخولهم، لكنها سمحت بها فقط خلال شهر رمضان, فكانت فرحة الإخوان عارمة بانكبابهم على كتاب الله تلاوةً وحفظاً وتفسيراً، قبل أن تعيد الإدارة جمعها بعد انقضاء الشهر.
وعن موائد المعتقل الإيمانية، كان يرى أن أفضل الإفطارات التي لا تُنسى هي تلك التي كانت تتم وراء القضبان؛ حيث تخلو الموائد من الأطعمة الكثيرة المخلة بحكمة الصوم، وتُعوض بالكامل بمحبة الإخوان وروح المودة والحب والإيمان الصافي، وفي تلك الأجواء شهد كتابة الشيخ يوسف القرضاوي لقصيدته الشهيرة (النونية) بلا ورقة ولا قلم.
حدة القلم والمواقف الفكرية والسياسية
إلى جانب العمل التربوي الشفهي، كان للأستاذ محمد عبد المنعم كتابات ومواقف سياسية حادة وصارمة تعكس بوضوح شخصيته المبدئية التي "لا تخشى في الله لومة لائم"، من أبرز كتاباته الموثقة رسالته المفتوحة التي وجهها في الخميس 22 فبراير 2007م إلى الصحفي أحمد موسى (المحرر بجريدة الأهرام آنذاك)، (الذراع الانقلابي اليوم) ردّاً على مقالات هاجمت الجماعة ووصفت منهجها بـ "الكارثي".
ظهرت في تلك الرسالة قوة أسلوبه الإنشائي وعمقه التاريخي، حيث استخدم لغة قوية واضحة ومستندة إلى وقائع تاريخية وقضائية، ومما جاء في رسالته المكتوبة بمداد من العزة والرفض للمهاترات .
فانتقد الراحل غياب الموضوعية وهيمنة الأحكام المسبقة وتلفيق التهم للأبرياء، مذكراً كاتب المقال بالفارق الزمني والمعرفي، وموضحاً أن جماعة الإخوان حظيت بدراسات ماجستير ودكتوراه علمية موثقة بعيدة عن البذاءات الصحفية.
وذكّر الراحل بأحكام القضاء المصري الصادرة عام 1975م بشأن التعويضات عن قضايا التعذيب في العهد الناصري، مقتبساً من حيثيات المحكمة أن مصر لم تشهد عهداً ديست فيه كرامة الإنسان كهذا العهد، كما أشار إلى واقعة اعتذار جمال عبد الناصر وصلاح سالم عن حل الجماعة في مارس 1954م ودفعهما بالحقائب للأستاذ حسن الهضيبي.
وأظهرت الرسالة أدب الإخوان التاريخي ممزوجاً بالجرأة؛ حيث عاتب الكاتب بشدة على عدم التزام الأدب وفارق السن عند الحديث عن المرشد الأسبق الأستاذ محمد مهدي عاكف، مبيناً تاريخه الجهادي في فلسطين وقناة السويس قبل ولادة منتقديه.
ولم تنقطع مواصلته الدعوية والإعلامية مع جيل الشباب؛ إذ استضافته المنصات الرقمية وصفحات التواصل الاجتماعي في فترات الحراك السياسي والدعوي، ومن ذلك مشاركته في البث المباشر لصفحة "حنصلح وأنت معانا" على فيسبوك في يناير 2011م ضمن سلسلة "حديث الثلاثاء" ليتحدث عن "الثوابت والمتغيرات في دعوة الإخوان المسلمين"، وهو اللقاء الموثق عبر الرابط الرقمي
https://www.youtube.com/watch?v=kuukgHn-TT8
الشهادات الحية للرحيل
وحظي نبأ وفاة الأستاذ محمد عبد المنعم بتفاعل واسع جداً على شبكات التواصل الاجتماعي، لاسيما من تلاميذه ومُحبيه في مدينة الإسكندرية وخارجها، الذين تباروا في كتابة ذكرياتهم ومواقفهم الشخصية معه عبر وسم #وداعاً_أستاذنا ووسم #الأستاذ_محمد_عبدالمنعم ومشاركة صوره عبر روابط فيسبوك الرسمية مثل:
https://www.facebook.com/photo/?fbid=1573551047506680&set=a.113942413467558
https://www.facebook.com/photo/?fbid=27530040683315661&set=a.963451073734650
وفي هذا السياق، حفلت الساعات الأخيرة بالعديد من الشهادات الحية والمؤثرة التي صاغها رفقاؤه وتلاميذه، لترسم ملامح متكاملة لشخصيته وأثره التربوي؛ حيث تحدث القيادي السابق بالإخوان االمسلمين د.إبراهيم زعفراني عن طبيعة دروس الراحل المسجدية التي كانت تتسم بالتشويق والنفع، مشيراً إلى خطبه القوية التي "يلهب بها ظهور الظلمة"، واصفاً إياه بـ "معلم الأجيال بالإسكندرية، الثابت في المحن، والقدوة في زهده ومعاملاته في بيته".
ومن جانبه، تولى الإعلامي هيثم أبو خليل نعيه والإشادة بعلمه إعلان تفاصيل الجنازة الفورية قائلاً: "والدفن بمقابر أبو النور بالظاهرية.. وترجّل الفارس.. أستاذنا الكبير الفاضل محمد عبد المنعم في ذمة الله"، بينما ركز ياسر السيد على البعد التاريخي لخطابته، واصفاً إياه بـ "الخطيب المفوه وأستاذ التاريخ"، ولفت إلى الأثر الفريد للراحل باعتباره أول خطيب لصلاة عيد تُصلى بالخلاء عام 1985 في سيدي جابر.
أما حازم صلاح Hazem Salah فقد قدم وصفاً تفصيلياً لطباعه اليومية والتربوية، مبيناً أنه كان "المعلم الوقور المتواضع الجاد الذي لم يكن يضحك ملء شدقيه، يتبسط مع جلسائه ويُضحكهم بأسلوبه الشيق والساخر اللطيف، يعامل الشباب بجدية صارمة ويحاسبهم على تأخرهم ولو دقائق، يقوم بنفسه بتضييف ضيوفه وضيفات زوجته، خطبة الجمعة 20 دقيقة لا تزيد".
وفي ذات الإطار، استدعى جابر قطب ذكريات ممتدة مع الراحل، مؤكداً أن دروسه وكلماته كانت عميقة ومركزة يستمتع الحاضرون بطريقتها الفريدة، وأنه كان لا يخشى في الله لومة لائم، وتشهد له مساجد السلام، وبلال بن رباح، وعصر الإسلام.
ولخص ناجي المهندسNagy Almohandes التأثير التربوي والدعوي العميق لتلك المحاضرات بقوله: "ومن مثل الأستاذ محمد عبد المنعم؟ محاضراته كانت كفيلة وحدها إنها تغرس فيك دعوة الإخوان بنبعها الصافي وتغرزك جوه الدعوة متخرجش منها".
كما أشار أسامة مصطفى Osama Moustafa إلى البيئة التربوية السكندرية الغنية التي نشأوا فيها، موضحاً أن الأستاذ محمد عبد المنعم ممن تربى الجيل على أيديهم في مسجد الرحمة في سيدي جابر، رفقة الدكتور حسن البرنس والشيخ أبوزيد محمد وغيرهم من الأفاضل.
وختم المفكر أحمد مطر هذه الكوكبة من الشهادات ناعياً مسيرة الراحل الممتدة لـ 95 عاماً، والتي "قضاها في الدعوة إلى الله نموذجاً ورمزاً وقدوة وصاحب رسالة، صاحب سبق في إدارة المدارس الإسلامية حتى تم انتخابه نقيباً للمعلمين بالإسكندرية، وكان أبرز خطباء عصره".
ومجمل هذه الشهادات الحية والبيانات الرسمية ترسم صورة قلمية متكاملة لـ الأستاذ محمد عبد المنعم، تظهره كشخصية تربوية وخطابية فذة استطاعت أن تترك أثراً ممتداً في عقول وقلوب تلاميذه، مستندة إلى إيمان عميق، وفصاحة لغوية نادرة، وانضباط صارم، وثبات طويل أمام عواصف المحن السياسية والدعوية.
المسار المهني والنقابي
ولد الداعية الإسلامي الكبير محمد عبد المنعم محمد حسين في محافظة الإسكندرية في 14 يونيو 1931م، ونشأ في بيئة أولت العلم والثقافة اهتماماً كبيراً، مما دفعه للالتحاق بالحقل التعليمي والتربوي الذي بنى فيه مسيرته المهنية الطويلة.
وحصل على ليسانس الآداب وقسم التاريخ، ثم أتبعه بدبلوم التربية العالي للمعلمين، وهو ما منحه عمقاً معرفياً بالتاريخ الإسلامي والإنساني وأدوات تربوية صقلت شخصيته الدعوية لاحقاً.
وبدأ مسيرته في وزارة التربية والتعليم عام 1958م كمدرس للتاريخ، وتدرج في الوظائف الإدارية والتعليمية نظراً لكفاءته وانضباطه الشديد إلى أن وصل إلى درجة وكيل للتعليم بمحافظة الإسكندرية.
وامتلك الراحل سبقاً متميزاً في إدارة وتأسيس المدارس الإسلامية، لاسيما في الإسكندرية وظل متميزاً في قيادة العمل التربوي المؤسسي حتى انتُخب نقيباً للمعلمين بالإسكندرية، محققاً قبولاً واسعاً بين زملائه من المعلمين.