بسيناريو أقرب لتفجير كنيسة القديسين في 2010.. بيان «ضد التطرف» يفتح مواجهة مع إسلاميي الأردن حول الدين والمناهج والإخوان

- ‎فيتقارير

أعاد الجدل الذي أعقب الهجوم على كنيسة القديس جورجيوس في قرية حمود بمحافظة الكرك، جنوبي الأردن، إلى الأذهان تداعيات تفجير كنيسة القديسين في الإسكندرية ليلة رأس السنة عام 2010، من زاوية توظيف الحوادث ذات الطابع الطائفي في تحميل التيارات الإسلامية مسؤولية مناخ التطرف، وتوسيع دائرة الاتهام لتشمل مرجعيات دينية ومؤسسات تعليمية، قبل حسم المسؤوليات في إطار التحقيقات.

وفي الأردن، اكتسب هذا الجدل أبعاداً سياسية إضافية مع صدور بيان بعنوان «من أجل وطن تعدّدي عصي على التطرف والإرهاب»، وقّع عليه 256 شخصية، وتناول دور المرجعيات الإسلامية والمناهج والمؤسسات الدينية في إنتاج الأفكار الإقصائية، متطرقاً بالاسم إلى جماعة الإخوان المسلمين وحضورها في وزارة التربية والتعليم.

ويأتي ذلك في أعقاب الانتخابات النيابية الأخيرة التي حققت فيها جبهة العمل الإسلامي، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، تقدماً لافتاً وحصدت أكبر عدد من المقاعد بين الأحزاب، كما يعيد النقاش إلى الواجهة تاريخ العلاقة بين الجماعة والدولة الأردنية، التي شهدت مراحل طويلة من التعاون والمشاركة السياسية والبرلمانية، ومساندة الجماعة لمواقف الدولة في محطات مختلفة، قبل أن تدخل العلاقة في مراحل من التوتر والخلاف.

ويرى مراقبون أن تحميل البيئة الإسلامية بمختلف مكوناتها مسؤولية التطرف، عقب الهجوم على الكنيسة، يثير تساؤلات بشأن انعكاسات ذلك على موقع الإسلاميين في الحياة السياسية، وما إذا كان النقاش يتجاوز مواجهة التطرف إلى إعادة رسم حدود حضورهم في المجال العام.

 

الزعاترة: استهداف للمنظومة الإسلامية

 

وفي أبرز الانتقادات، تناول الكاتب والمحلل السياسي الأردني ياسر الزعاترة البيان في منشور بعنوان «بيان خطير ضد المنظومة الإسلامية وليس ضد التطرف»، معتبراً أن مضمونه لا يقتصر على مواجهة التطرف، بل يحمّل المنظومة الإسلامية، بما فيها تاريخ الأمة وعلماؤها وتراثها ومساجدها ومناهجها، مسؤولية إنتاج العنف والتطرف.

وتساءل الزعاترة عما إذا كان جميع الموقعين قد قرأوا النص كاملاً، أم أن صياغته جاءت من مجموعة محددة ثم وقّعه آخرون، مشيراً إلى وجود أسماء بين الموقعين لا يعرف عنها استهداف الظاهرة الإسلامية، إلى جانب أسماء يرى أنها تتبنى منذ سنوات خطاباً نقدياً حاداً تجاه الإسلاميين.

وأكد أن وضع الاسم على البيان يجعل صاحبه مسؤولاً عن مضمونه، حتى لو لم يشارك في صياغته.

كما اعترض على الربط بين المناهج والمساجد والكتب الإسلامية وبين إنتاج التطرف، مشيراً إلى أن هذه المرجعيات والمؤسسات كانت موجودة عبر فترات طويلة دون أن تؤدي، بحسب طرحه، إلى نشوء حاضنة اجتماعية عامة للعنف. وذهب إلى أن إبعاد الدين عن تربية المجتمع، بدلاً من معالجة حالات التطرف وأسبابها، قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

تساؤلات حول توقيت البيان والجهات وراءه

وفي سياق متصل، طرح حساب «أبو الأوس» (@Abualaws1) تساؤلات بشأن توقيت إصدار البيان والجهات التي تقف وراءه، معتبراً أن توقيع هذا العدد من الشخصيات على نص يتناول قضايا حساسة لا يخلو، وفق تقديره، من دلالات سياسية.

وأشار إلى ما وصفه بالتقارب بين مضامين البيان وخطاب مسؤولين أردنيين ظهر في وسائل الإعلام خلال الأسبوع السابق، كما لفت إلى ما اعتبره انتقادات للسعودية في بعض مضامينه.

وفي منشور آخر، ربط الحساب بين التطورات التي أعقبت الهجوم على الكنيسة وما اعتبره تحميل شخصيات إسلامية مسؤولية معنوية عن الحادثة، قبل انتقال النقاش إلى المناهج والخطاب الإسلامي.

من جهته، تناول الصحفي ياسين عز الدين (@yaseenizeddeen) البيان باعتباره جزءاً من حالة الاستقطاب السياسي في الأردن، وطرح فرضية صدوره بتوجيه من النظام الأردني، كما اتهم جهات داخلية وخارجية بالوقوف وراءه، من دون تقديم أدلة مستقلة تثبت هذه الاتهامات.

ورأى أن الانشغال بالمواجهة بين الإسلاميين والقوميين واليساريين يصرف الاهتمام عن قضايا السياسات الرسمية والحريات العامة والعمل السياسي، داعياً إلى توسيع النقاش ليشمل علاقة الدولة بالمساجد والدعاة والمناهج والحريات.

 

ماذا يقول البيان؟

ونُشر البيان مطلع نوفمبر 2026، عقب الهجوم على كنيسة القديس جورجيوس في قرية حمود بالكرك في 23 أكتوبر، والذي أسفر عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة 34 آخرين، وفق ما أوردته وسائل إعلام أردنية وعربية.

وقدم الموقعون، من مثقفين وأكاديميين وتربويين ومهنيين، نصهم باعتباره دعوة إلى معالجة الجذور الفكرية والتعليمية والدينية للتطرف، وليس الاكتفاء بالمواجهة الأمنية والقضائية.

واعتبر البيان أن الهجوم يرتبط، وفق توصيفه، بـ«منظومة فكرية تؤصّل لكراهية الآخر المختلف دينياً وفكرياً وسياسياً واجتماعياً».

وتوقف عند مرجعيات إسلامية تاريخية ومعاصرة، بينها كتب ابن تيمية وابن قيم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب، وأفكار حسن البنا وسيد قطب، إلى جانب محتوى منصات بعض الدعاة، معتبراً أنها أسهمت في تشكيل بيئة فكرية تتبنى الإقصاء والتكفير.

كما ربط التحولات الفكرية في الأردن منذ سبعينيات القرن الماضي بتوظيف الدين في الصراعات السياسية خلال الحرب الباردة، وبما وصفه بتأثير أموال النفط في تغيير الهوية الثقافية والتعليمية الأردنية.

وتناول البيان المناهج المدرسية ووزارة التربية والتعليم، متحدثاً عن إضفاء طابع ديني تكفيري على بعض المناهج، وعن حضور عناصر من جماعة الإخوان المسلمين داخل الوزارة، بالتزامن مع تراجع التيارات الوطنية والديمقراطية والتنويرية، بحسب تعبير الموقعين.

إصلاح المناهج والمؤسسات الدينية

ولم يقتصر البيان على تشخيص ما اعتبره جذوراً للتطرف، بل طرح مجموعة من المقترحات، بينها مواجهة منابر الفكر الإقصائي في المؤسسات الإعلامية والتعليمية والدينية والأحزاب ومنصات التواصل، وإعادة هيكلة المنظومة التربوية، وإحياء تدريس الفلسفة والمنطق والأخلاق.

كما دعا إلى توسيع الأنشطة الفنية والثقافية والرياضية، ومكافحة خطاب الكراهية، وحماية حرية التعبير والحريات الشخصية، مؤكداً أن القيم الإنسانية المنشودة ينبغي أن تستمد من جوهر الدينين الإسلامي والمسيحي دون تمييز.

واستحضر البيان أسماء ضحايا وأحداث عنف شهدها الأردن، بينهم الطيار معاذ الكساسبة والكاتب ناهض حتر، وضحايا أحداث السلط وقلعة الكرك، واضعاً هجوم حمود ضمن سياق أوسع من أعمال العنف المرتبطة بالتطرف.

256 اسماً في القائمة المنشورة

وتباينت الأرقام المتداولة بشأن عدد الموقعين، بين 250 و256 و265 اسماً، غير أن النسخة المنشورة في موقع «نبأ الأردن» تتضمن قائمة مرقمة حتى الاسم 256، وتنتهي باسم يوسف قويدر.

 

وتضم القائمة كتاباً وصحفيين وأكاديميين ونقابيين وسياسيين وفنانين وتربويين، بما يعكس تعدد الخلفيات المهنية والسياسية والثقافية للموقعين.

هجوم كنيسة حمود وتداعياته الرقمية

وامتدت تداعيات الهجوم من الأردن إلى منصات التواصل العالمية، حيث رصد التقرير محاولات توظيف الجريمة في خطاب يحمّل المسلمين بصورة جماعية مسؤولية الاعتداء.

ونقل التقرير عن معهد السياسة والمجتمع الأردني نتائج رصد للتفاعل الرقمي أشارت إلى تسجيل أكثر من عشرة ملايين تفاعل عبر أكثر من عشر لغات.

كما تناول ظهور حسابات تعرّف مواقعها بأنها في الكيان ضمن المحتوى الإسباني، وإعادة بعض الحسابات اليمينية صياغة الأخبار باستبدال أوصاف مثل «مسلحين» و«مجهولين» بكلمة «مسلمين».

 

وأوضح التقرير، نقلاً عن مدير الإعلام والاتصال في المعهد أحمد القضاة، ضرورة التمييز بين المواقع المعلنة للحسابات وبين إثبات هويات أصحابها أو وجود تنسيق مركزي بينها.

وفي المقابل، تناول التقرير مظاهر التضامن بين المسلمين والمسيحيين في الأردن، ومشاركة مسلمين في تقديم العزاء وإضاءة الشموع وقراءة الفاتحة على أرواح الضحايا.

المسار القضائي لقضية كنيسة حمود

 

في سياق متصل، أعلنت النيابة العامة لمحكمة أمن الدولة الأردنية، في 3 نوفمبر، انتهاء التحقيقات في الهجوم وإحالة القضية إلى المحكمة.

وبحسب وكالة الأناضول، نقلاً عن تصريح النائب العام لمحكمة أمن الدولة أحمد طلعت شحالتوغ، شملت التحقيقات الاستماع إلى الشهود وجمع الأدلة المتعلقة بمسرح الجريمة والأسلحة والذخائر المستخدمة، واستجواب المشتكى عليهم.

وأسندت النيابة سبع تهم، من بينها القيام بأعمال إرهابية أفضت إلى موت إنسان بالاشتراك، مكررة تسع مرات، والقيام بأعمال إرهابية باستخدام الأسلحة والذخائر بالاشتراك، وحيازة أسلحة وذخائر بقصد استخدامها في أعمال إرهابية، والمؤامرة بقصد القيام بأعمال إرهابية، والترويج لأفكار جماعة إرهابية.

وكانت السلطات الأردنية أعلنت في 26 أكتوبر توقيف ثلاثة أشخاص على خلفية الهجوم.