قال وزير الدفاع الأفغاني محمد يعقوب مجاهد إن بلاده تتابع ما وصفه بـ"الاحتمال القائم" لوجود دور أمريكي غير مباشر في الضربات الباكستانية داخل الأراضي الأفغانية، مشيرا إلى أن كابل طرحت تساؤلات بشأن ما إذا كانت هذه العمليات تستهدف أيضا الأسلحة التي خلفتها الولايات المتحدة بعد انسحابها من أفغانستان عام 2021.
وقال مجاهد – للجزيرة نت- أن "من المحتمل أن تكون باكستان قد حصلت على مشروع لتدمير هذه الأسلحة من الولايات المتحدة، رغم أن الجانب الأمريكي نفى ذلك عند التواصل معه رسميا"، مؤكدا أن ما يجري "خلف الكواليس بين الطرفين لا يزال موضع متابعة وتحقيق حتى نحصل على معلومات دقيقة".
تصريحات مجاهد جاءت تعليقا على تنفيذ طائرات باكستانية ضربات استهدفت مواقع عسكرية داخل أفغانستان، شملت مناطق تضم قواعد ومرافق كانت تستخدمها القوات الأمريكية والحكومة الأفغانية السابقة، مما يشير إلى احتمالية أن هذه الهجمات تستهدف تدمير مخازن الأسلحة التي خلفتها الولايات المتحدة في أفغانستان عقب انسحابها عام 2021.
ويرى الوزير الأفغاني أن جوهر المشكلة في العلاقات بين أفغانستان وباكستان يرتبط بـ"سياسة النظام العسكري في باكستان التي تقوم على إبقاء أفغانستان دولة ذات حكومة ضعيفة تفتقر إلى القدرة العسكرية"، مضيفا أن اعتماد الاقتصاد الأفغاني على الموانئ الباكستانية، خصوصا ميناء كراتشي، يمنح إسلام آباد أداة ضغط يمكن استخدامها للتأثير على كابل وفرض مواقفها السياسية.
وترى الحكومة الأفغانية أن الضربات الباكستانية تتجاوز مسألة الأمن الحدودي. وقال مصدر حكومي أفغاني -فضل عدم ذكر اسمه- للجزيرة نت إن "السلطات الأفغانية كانت على علم بمشروع يهدف إلى تدمير الأسلحة التي استولت عليها طالبان من الولايات المتحدة".
وأشار المصدر -في حديثه للجزيرة نت- إلى أن "الحكومة نقلت جزءا كبيرا من تلك المعدات، وخاصة الأسلحة الحساسة، إلى أماكن أكثر أمنا في العاصمة وخارجها".
وبينما تؤكد إسلام آباد أن عملياتها تستهدف عناصر حركة طالبان باكستان، يرى مراقبون أن طبيعة المواقع المستهدفة تثير تساؤلات حول احتمال وجود أهداف أخرى تقف خلف هذه الضربات.
خلال الانسحاب الأمريكي من أفغانستان بأغسطس 2021، تركت القوات الأمريكية كميات كبيرة من المعدات العسكرية المتطورة، بما في ذلك مركبات مدرعة وطائرات خفيفة وأسلحة ثقيلة وأجهزة اتصال. وقدّرت تقارير أمريكية قيمة هذه المعدات بنحو 7 مليارات دولار أمريكي.
وبعد سيطرة حركة طالبان على الحكم في كابل، أصبحت هذه المعدات جزءا من ترسانة الجيش التابع للحكومة الجديدة، الأمر الذي أثار مخاوف لدى الولايات المتحدة وبعض دول المنطقة من احتمال استخدامها في صراعات إقليمية أو وقوعها في أيدي جماعات مسلحة.
وتقول باكستان إن عملياتها العسكرية تأتي ردا على تصاعد هجمات حركة "طالبان باكستان" التي تتهم كابل بإيوائها أو التساهل معها. لكن الخبراء يرون أن الضربات الجوية الأخيرة لا يمكن قبولها حسب الرواية الباكستانية باستهداف مسلحي طالبان باكستان.
ويقول الباحث في الشؤون الإستراتيجية بشير حيدري للجزيرة نت إن طبيعة المواقع التي استُهدفت "تشير إلى حسابات أوسع من مجرد مواجهة جماعات مسلحة".
ويضيف "القصف، الذي طال مواقع عسكرية كبيرة كقاعدة بغرام، ومقر القوات الخاصة في كابل ومطار قندهار وجلال آباد، والمراكز العسكرية في ولايتي لغمان وبكتيا، يوحي بأن باكستان تسعى أيضا إلى تقليص القدرات العسكرية للحكومة الأفغانية الحالية، خصوصا تلك المرتبطة بالأسلحة التي خلفتها الولايات المتحدة".
ويرى حيدري أن تدمير هذه الأسلحة -إن كان هدفا ضمنيا- قد يخدم مصالح عدة أطراف في آن واحد، "فباكستان تريد تقليص قدرة طالبان على الضغط عليها، بينما لا تمانع الولايات المتحدة في تقليل حجم المعدات العسكرية التي خرجت من سيطرتها".
تقاطع مصالح
منذ الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، عبّر سياسيون أمريكيون -ومن بينهم الرئيس دونالد ترمب– عن قلقهم من بقاء معدات عسكرية أمريكية متطورة في أيدي طالبان. وقد دعا ترمب مرارا إلى استعادة هذه المعدات أو تدميرها.
ويرى الباحث في مركز الدراسات الإستراتيجية في كابل عبد الله خان أن "باكستان قد تجد في هذا الملف فرصة لتعزيز علاقاتها مع واشنطن و"إذا كانت الضربات الباكستانية تؤدي فعلا إلى تدمير جزء من تلك الأسلحة، فإن ذلك قد يحقق هدفا أمريكيا غير معلن، حتى لو لم يكن هناك اتفاق رسمي بين الطرفين".
ويضيف خان -في حديث للجزيرة نت- أن "إسلام آباد قد تستفيد سياسيا من هذا التقاطع في المصالح، خصوصا في ظل سعيها إلى إعادة بناء علاقتها مع الولايات المتحدة بعد سنوات من التوتر".
مواطنون باكستانيون وأفراد الأمن يتفقدون الأضرار بعد سقوط صاروخ قصير المدى أُطلق من أفغانستان (الأناضول)
رسائل متعددة
إلى جانب البعد الأمني، يرى الخبير الأفغاني كريم سلطاني -في حديثه للجزيرة نت- أن العمليات العسكرية تحمل رسائل سياسية متعددة، حيث "تسعى باكستان إلى إظهار قدرتها على التأثير في المعادلة الأفغانية".
ويقول سلطاني إن "إسلام آباد تريد أن توضح لكابل أنها قادرة على إضعافها عسكريا إذا استمرت في دعم حركة طالبان باكستان".
كما يرى أن العمليات "قد تكون رسالة أيضا إلى الهند، مفادها أن باكستان لا تزال اللاعب الأكثر تأثيرا في الملف الأفغاني".
لكن التصعيد العسكري بين البلدين يثير قلق الصين، التي ترتبط بمصالح اقتصادية كبيرة في المنطقة، خصوصا عبر الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني.
ويقول الخبير في العلاقات الدولية هاشم جلالي للجزيرة نت إن بكين تخشى أن يؤدي استمرار الصراع إلى تقويض الاستقرار الإقليمي وهي تدرك مخاوف أفغانستان الأمنية، لكنها تفضل معالجة الأزمة عبر الحوار، لأن أي تصعيد عسكري قد يهدد مشاريعها الاقتصادية في المنطقة.
في المقابل، ردت أفغانستان على بعض الغارات الباكستانية بهجمات بالطائرات المسيّرة عبر الحدود، في تطور يشير إلى أن الصراع بين الجانبين قد دخل مرحلة أكثر خطورة.
ويرى محللون أن استمرار هذا المسار قد يحوّل الحدود الأفغانية الباكستانية إلى ساحة صراع مفتوحة، خصوصا إذا استمرت الضربات الجوية واستهدفت منشآت عسكرية أكبر.
ويحذر الباحث أمان الله أندر – من أن "إضعاف كابل عسكريا قد يؤدي إلى نتائج غير متوقعة". مضيفا أن "أفغانستان الهشة أصلا قد تنزلق إلى فوضى أمنية جديدة إذا تصاعدت المواجهة".
ومع استمرار التوتر على الحدود وتبادل الضربات بين الجانبين، يبدو أن المنطقة قد تكون على أعتاب مرحلة جديدة من الصراع، حيث تتحول الأسلحة التي خلّفها الانسحاب الأمريكي من أفغانستان إلى عامل رئيسي في إعادة رسم موازين القوى في جنوب آسيا.
