أشعل قرار حكومة المنقلب السيسى رفع أسعار الوقود بنسبة تصل إلى 30% موجة غضب واسعة في الشارع، بعد أن جاء في توقيت بالغ الحساسية اقتصاديًا ومعيشيًا، حيث يواجه المواطنون بالفعل مستويات قياسية من التضخم وارتفاع الأسعار. ويرى مراقبون أن الزيادة الجديدة تمثل حلقة إضافية في سلسلة قرارات اقتصادية تحمل المواطن عبء أزمة اقتصادية متفاقمة، بينما يواصل النظام تبريرها باضطرابات أسواق الطاقة العالمية والحرب الدائرة مع إيران.
الحكومة بررت القرار بما وصفته "الظروف الاستثنائية" التي تمر بها أسواق النفط العالمية، مشيرة إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد والإنتاج والشحن والتأمين. إلا أن هذا التبرير لم يقنع كثيرين في الداخل، خاصة أن تداعيات القرار ستطال بصورة مباشرة حياة ملايين المصريين، بدءًا من النقل والمواصلات وصولًا إلى أسعار الغذاء والخدمات الأساسية.
زيادات كبيرة في البنزين والسولار والغاز
وبحسب بيان وزارة البترول، ارتفعت أسعار البنزين والسولار بنحو 3 جنيهات للتر، ليصل سعر بنزين 95 إلى 24 جنيهًا بدلًا من 21 جنيهًا، وبنزين 92 إلى 22.25 جنيهًا، وبنزين 80 إلى 20.75 جنيهًا. كما ارتفع سعر السولار إلى 20.50 جنيهًا للتر.
وشملت الزيادات كذلك غاز السيارات الذي ارتفع بنحو 30% ليصل إلى 13 جنيهًا للمتر المكعب، إضافة إلى رفع سعر أسطوانة الغاز المنزلية من 225 إلى 275 جنيهًا، والتجارية من 450 إلى 550 جنيهًا.
وتعد هذه الزيادة الثالثة خلال أقل من عام، بعد زيادات مماثلة خلال 2025، وهو ما يعكس اتجاهاً مستمراً لرفع الدعم تدريجيًا عن الطاقة، لكن دون وجود سياسات واضحة لحماية الفئات الأكثر تضررًا.
النقل أول المتضررين من القرار
الانعكاس الأول والأسرع لزيادة الوقود ظهر في قطاع النقل، حيث سارعت محافظة القاهرة وعدد من المحافظات إلى رفع تعريفة المواصلات العامة وسيارات السرفيس والنقل الجماعي والتاكسي الأبيض.
ويمثل النقل الحلقة الأولى في سلسلة ارتفاع الأسعار، إذ تعتمد عليه معظم الأنشطة الاقتصادية. ومع ارتفاع تكاليف الوقود، ترتفع تلقائيًا تكلفة نقل السلع من المزارع والموانئ إلى الأسواق، ما يعني أن موجة غلاء جديدة أصبحت مسألة وقت فقط.
وجاءت هذه الزيادات في وقت يواجه فيه المواطنون أعباء إضافية مرتبطة بشهر رمضان والاستعداد لعيد الفطر، ما ضاعف حالة الغضب الشعبي من القرار.
الخضروات والسلع الغذائية في طريقها للارتفاع
عادة ما تنعكس زيادات الوقود في مصر بسرعة على أسعار الخضروات والفواكه والسلع الغذائية، نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والتخزين. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن الأسعار قد ترتفع بين 10% و20% خلال الأسابيع المقبلة.
وتزداد خطورة هذه الزيادات في بلد يعتمد جزء كبير من سكانه على الدخل المحدود، حيث تشكل المواد الغذائية النسبة الأكبر من إنفاق الأسر.
ويرى اقتصاديون أن أي زيادة في الوقود تعني بالضرورة ارتفاعًا في أسعار كل شيء تقريبًا، من الخبز والسلع الغذائية إلى خدمات النقل والتوصيل وحتى أسعار الإيجارات.
اقتصاد هش يواجه أزمات متلاحقة
يأتي قرار رفع الوقود في وقت يعاني فيه الاقتصاد المصري من ضغوط متزايدة، بينها تراجع قيمة الجنيه إلى نحو 52 جنيهًا مقابل الدولار، وخروج استثمارات أجنبية، وارتفاع فاتورة الواردات.
كما أن الموازنة المصرية بُنيت على تقدير سعر النفط عند نحو 75 دولارًا للبرميل، بينما اقترب السعر مؤخرًا من 93 دولارًا، ما خلق فجوة كبيرة في حسابات الإنفاق الحكومي.
وبحسب تقديرات قطاع المواد البترولية، فإن كل ارتفاع بدولار واحد في سعر النفط يزيد فاتورة الطاقة بنحو 4 مليارات جنيه، ما يضع ضغوطًا إضافية على اقتصاد يعتمد بشكل كبير على الاستيراد.
الحرب في المنطقة.. شماعة جديدة للأزمة
المنقلب عبد الفتاح السيسي كان قد حذر من تداعيات اقتصادية للحرب في المنطقة، مشيرًا إلى خسائر قاربت 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس بسبب الحرب في غزة.
لكن منتقدين يرون أن السلطة تحاول تحميل التوترات الإقليمية مسؤولية أزمة اقتصادية أعمق تراكمت على مدى سنوات، معتبرين أن الاقتصاد المصري أصبح شديد الهشاشة إلى درجة أن أي توتر إقليمي—even لو كان بعيدًا عن مصر—ينعكس مباشرة على حياة المواطنين.
ويشير هؤلاء إلى أن دولًا في قلب الصراع مثل إيران أو إسرائيل، وحتى الولايات المتحدة ودول الخليج، لم تشهد الاضطرابات الاقتصادية الحادة التي تعيشها مصر، رغم أنها أطراف مباشرة في التوترات الجارية.
المواطن يدفع الثمن
في النهاية، يبدو أن المواطن المصري هو الطرف الذي يتحمل العبء الأكبر لقرارات رفع الأسعار، في ظل غياب زيادات موازية في الدخول أو سياسات فعالة لحماية الطبقات الفقيرة.
ومع كل زيادة في الوقود تتسع دائرة الغلاء، ويزداد الضغط على حياة المصريين اليومية، بينما تتزايد المخاوف من موجة تضخم جديدة قد تكون أكثر قسوة من سابقاتها، خاصة إذا استمرت التوترات الإقليمية أو تراجعت قيمة العملة أكثر.
